المظلة

إبداع ونقد

الزمان والمكان في القصة القصيرة

 

          الزمان والمكان في القصة القصيرة
محمد أيوب

لا يمكننا أن نفصل بين عناصر القصة القصيرة فصلاً تعسفياً ، وإنما يأتي الفصل لأغراض البحث والدراسة وذلك للتسهيل على القارئ والدارس ، وليس من المقبول أن نرجح عنصراً على آخر من عناصر البناء الفني للقصة ، وقد اختلف النقاد والأدباء في تعريف القصة القصيرة ، فمنهم من عرفها استناداً إلى زمن قراءتها ، فهو يرى أن القصة القصيرة هي تلك القصة التي تقرأ في جلسة واحدة ، ومنهم من عرفها حسب عدد صفحاتها وبأنها لا تزيد عن ثلاث إلى أربع صفحات ، ومنهم من تجاوز هذا التعريف معتبراً أن القصة القصيرة لا تهتم بالتفاصيل كالرواية ولكنها تهتم بحدث معين في زمن محدد ومكان أو مجموعة من الأمكنة المحدودة .
عناصر القصة :
تتكون القصة من مجموعة عناصر أو مجموعة أسئلة هي :
1 - من : الشخصية
2 - أين : المكان
3 - متى : الزمان
4 : كيف : الحدث
5 - لماذا : مبررات الحدث
6 : ماذا : النهاية
ومن النقاد من يرى أن القصة القصيرة تتكون من بداية ووسط ونهاية ، أو من عقدة وصراع وحل ، وهناك عناصر أخرى للقصة مثل التشويق والمصادفة المعقولة والتدرج الفني للوصول إلى قمة الصراع فالحل .
ولكن التقسيمات السابقة تتناسى اللغة باعتبارها عنصراً أساسياً من عناصر القصة ، فاللغة هي وسيلة القص والسرد ، وإن كانت السينما والرسم قد قدما لنا قصصاً من خلال الحركة أو اللون بحيث تترك لخيال المشاهد فرصة تخيل القصة كما يراها بخياله .
وقبل أن نبدأ في دراسة الزمان والمكان في القصة علينا أن نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة التي يمكنها أن تساعدنا في فهم الموضوع وتحديد آليات الدراسة ، من هذه الأسئلة التي تحتاج إلى التفكير :
1 - ما علاقة الزمان بالمكان ؟ وهل هما متصلان أم منفصلان ؟ وإذا كانا متصلين ، فما الذي يربط بينهما ؟ أما إذا كانا منفصلين ، فهل يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر ؟
2 - كيف حاول الإنسان التغلب على عقبتي الزمان والمكان ؟
المواصلات وتطورها - البريد والبرق - التليفون والفاكس - المذياع - التلفزيون - الإنترنت " البريد الإلكتروني والمحادثة والتجارة اإلكترونية والمواقع الخاصة والتجارية "
3 - ما هو الزمان ؟ وما هو المكان ؟ وهل يمكن أن نضع تعريفاً محدداً لكل منهما ( تعريف جامع مانع )
" المكان في اعتقادي هو الوعاء الذي تدور فيه الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات لتكشف لنا حركة الزمان والتغير الذي يطرأ على الأشياء والناس . "
4 - ما الذي يخطر على البال عندما نسمع كلمة الزمن؟
( ساعة - دقيقة - ثانية - يوم - أسبوع - شهر - سنة - فصل - ربيع - خريف - صيف - شتاء - نهار - ليل - شروق غروب - عيد صوم .. إلخ ) ( الزمن التاريخي - الزمن النفسي - الزمن السابق - الزمن اللاحق - الزمن الصاعد - الزمن المتكسر - الزمن الدائري - الزمن اللولبي )
5 - ما الذي يخطر على البال عند سماع كلمة مكان ؟
بيت - غرفة - شقة منزل - مكتب - مدرسة - مسجد - كنيسة - مستشفى - عيادة - مستوصف - دكان - مقهى عادي - مقهى انترنت - سيارة - كراج - مطار - طائرة - ميناء باخرة - سفينة - شاطئ - مزرعة - كازينو .. إلخ )
6 - بماذا تذكرنا الكلمات التي خطرت على بالنا ؟ هل تذكرنا بفعل أو حادثة ما ؟ وهل تذكرنا بشخص معين ؟ وما دور اللغة في كل ذلك ؟ وبم تذكرنا اللغة ؟ ( الحكي أو السرد - الوصف - الربط بين الأحداث - الربط بين الحدث والشخصية - التحليل - التعليق - الاستناج - اقتراح حلول للمشاكل التي تواجهنا )
7 - ما علاقة الزمان والمكان بالوعي ؟ وهل يمكن أن يوجد الزمان خارج وعي الإنسان ؟
8 - كيف يتكون الوعي ؟ وما علاقة حواس الإنسان بإنتاج الوعي ؟
9 - ما أهم عناصر ومكونات القصة ؟ ( الحبكة " البداية والوسط أو العقدة ولحظة التوير والحل ) ( اللغة - الشخصيات - الأحداث - الزمان - المكان )
أولاً : الزمان :
الزمن شيء يصعب الإمساك به ، تدركه عقولنا ولا نستطيع إدراكه بحواسنا ، ولكنا قد ندرك آثاره التي يعتقد البعض أنها الزمن ، فنحن نرى حركة عقرب الثواني بينما لا نستطيع أن ندرك حركة عقرب الساعات بالسرعة والدقة نفسها ، والزمن يرتبط بالمكان والحركة التي لولاها لما استطعنا إدراك الزمن ، فحركة الأرض حول نفسها تنتج الليل والنهار ، بينما تنتج حركتها حول الشمس الفصول الأربعة وما يترتب عليها ، والزمان تابع للحركة ناتج عنها ، والحركة لا يمكن أن تحدث إلا في المكان ، وقد فرق العرب بين الزمان والحركة ، وهم يرون أنه قد تكون حركة أسرع من حركة أو أبطأ منها ولا يكون زمان أسرع من زمان أو أبطأ منه ، بل يكون زمان أطول من زمان أو أقصر منه ، كما يمكن أن تجتمع حركتان معاً ولكن ليس من الممكن أن يجتمع زمانان معاً .
يرى عبد الصمد زايد أن العرب تخلفوا في التعامل مع الزمن ، وهو يرى أن الزمن يقف محنطاً عند العرب ، كما يرى أن امتلاك الزمن أهم من امتلاك الأرض " المكان " وجعل من السرعة عاملاً مهما في بناء الحياة المعاصرة وصنع التاريخ ، وفي ذلك مغالطة كبيرة لأن ما تفعله السرعة هو اختصار مدة الانتقال من مكان إلى آخر بحيث يكاد يتوقف الشعور بالزمن إذا تحرك الجسم بسرعة الضوء ، إن ما ينقص العرب ليس القدرة على امتلاك الزمن ، ولكن ما ينقصهم هو القدرة والرغبة في إنتاج وسائل السيطرة على الزمن .
وقد عرف العرب الزمن والزمان بأنه اسم لقليل الوقت أو كثيره واعتبروا أن الزمن والدهر شيء واحد ، بينما رأى بعضهم أن الزمن من شهرين إلى ستة أشهر وقد يقع على الفصل من فصول السنة أو على مدة ولاية الرجل ، بينما الدهر لا ينقطع ، والزمن هو تلك اللحظة الهاربة نحو الماضي بينما ينبع الحاضر من معين لا ينضب هو المستقبل ليصب في وعاء لا يمتلئ ولا يفيض هو الماضي الذي يختزن في الذاكرة إلى حين استرجاعه من خلال التذكر أو المناجاة " تيار الوعي "
الزمن في اللغة العربية :
الزمن الصرفي : وتحدده طبيعة صياغة الكلمة في بنائها الخاص .
الزمن الذي يحدده وجود الكلمة في سياق أو تركيب خاص : فقد يتحول معنى الفعل الحاضر إلى الماضي ، فالفعل وحده يظل قاصراً عن تحديد الزمان ما لم تساعده قرائن أخرى وما يقع في سياق معين ، وقد تعجز اللغة عن تصوير الأزمنة الأدبية والفلسفية بالصيغ نفسها دون اللجوء إلى القرائن والأدوات والسياق ، وكثيراً ما نجد نماذج لا علاقة فيها للفاعل الاصطلاحي بالفعل الحقيقي ، وإنما يسند الفعل إلى الفاعل على سبيل الوصف والتلبس كقولنا " مات الرجل "
أما في الغرب فقد تغير مفهوم الزمن بعد اكتشاف السينما التي لا تعرف إلا زمنا واحداً هو الزمن الحاضر ، والحقيقة أن عالم السينما لا يختلف كثيراً عن عالم الواقع ، فالإنسان في عالم الواقع لا يرى ولا يدرك إلا ما هو موجود في مجال حواسه ، بينما يقول دو لوز بوجود صورتين للزمن : الأولى أساسها الماضي والثانية أساسها الحاضر ، فالحاضر هو الصورة المتحققة أما ماضيه المزامن فهو الصورة الكامنة ، تماماً مثل كون صورتنا في المرآة هي الصورة الكامنة لنا التي تقابل وجودنا الحقيقي ، وفي العمل الأدبي يكون المؤلف هو الصورة الحقيقية بينما يكون الراوي هو الصورة الكامنة ، ولكن الراوي يتحول إلى صورة حقيقية لدى القارئ بينما يصبح المؤلف هو الصورة الكامنة ، إن وعي الإنسان يتشكل ضمن مجموعة من الأزمنة ، فهناك ماض قريب وماض بعيد ، وحاضر يمضي وحاضر حاضر وحاضر يأتي .
أنواع الزمن :
1 - زمن فيزيائي : وهو يعني اختلاف الليل والنهار وما ينشأ عنهما من أيام وأسابيع وشهور وأعوام وعقود ودهور .
2 زمن حدثي موضوعي : وهو زمن الأحداث التي تغطي حياتنا
3 - زمن لساني : يرتبط بالكلام ومنبعه الحاضر ، وينقسم إلى زمن الخطاب الذي يتميز بمستوى الحضور وزمن الحكي ويتميز بمستوى الانقضاء .
4 - الزمن النفسي : وهو الزمن الأكثر أهمية في الأدب .
5 - الزمن التاريخي : وهو زمن وقوع الأحداث و يتجه نحو المستقبل .
الزمن في القصة :
الزمن المتواصل :
وهو زمن طولي متواصل حركته ذات ابتداء وانتهاء ، وهو قابل للتوقف والانقطاع .
الزمن المتعاقب : " دياكروني "
وهو زمن دائري مغلق تعاقبي في حركته مثل زمن الفصول الأربعة والليل والنهار، وهناك زمن تعاقبي داخل جسم الإنسان ، فالإنسان اليوم غيره قبل ثلاثة أشهر .
زمن الكتابة :
ونقصد به عدد الساعات التي يقضيها المؤلف في كتابة عمله .
زمن القراءة :
ويقصد به الزمن الذي يقضيه القارئ في قراءة القصة ، ويتأثر زمن القراءة بحجم الكتاب وحجم الصفحة ، وحجم حروف الطباعة ، ووضوح الطباعة ، وأسلوب المؤلف ، والهدف من القراءة ، واختلاف القدرة على القراءة السريعة ، والمؤثرات الخارجية التي تحيط بالقارئ ، والحالة الذهنية للقارئ .
وهناك الزمن الغائب الذي يتصل بأطوار الناس في حالة النوم أو الغيبوبة ، وقبل تكون الوعي ( مثل : الجنين والرضيع ) والصبي الذي لا يدرك العلاقات الزمنية فيقول أمس وهو يقصد الغد .


ثانيا ً : المكان :
تعريف : المكان هو الموقع الثابت المحسوس القابل للإدراك والحاوي للشيء ، وهو مستقر بقوة إحساس الكائن الحي " الإنسان " ، والعلاقة بين الإنسان والمكان تقوم على ركيزتين :
1 - التضاد من حيث ثبات المكان وحركة الإنسان .
2 - الالتقاء لأنهما يمثلان معاً المدرِك والمدرَك .
والمكان في الواقع له ثلاثة أبعاد " الحجم " ، وقد يكون له بعدان " المساحة " ، وهو أخص من الحيز " الفراغ " الذي يشغله جسم ما ، لأن الحيز مطلب الجسم المتحرك للحلول فيه ، والجهة مطلب الجسم المتحرك للوصول إليها .
خصائص المكان وصفاته :
1 - التواصل : بمعنى أنه يمكن تجزئة المكان إلى أقسام .
2 - التعدد البعدي : ( الطول والعرض والارتفاع )
3 - الاتصال بمعنى أنه لا توجد منطقة أو مكان منعزل في العالم .
4 - الاتجاه : ويختلف باختلاف الفئة التي تتعامل مع المكان مثل : الفلاسفة والمهندسين والإنسان العادي والروائي .
وتختلف خبرة الإنسان بالمكان عن خبرته بالزمان ، فهو يدرك المكان بشكل مباشر "بواسطة االحواس " بينما يدرك الزمان بشكل غير مباشر .
علم المكان :
ويدرس المكان من حيث إدراك الأشخاص له ، وطريقة استعمالهم له ، وهناك أربع مسافات يراعيها اإنسان لدى وجوده مع الآخرين هي :
1 - المسافة الحميمية : ولا تتجاوز 45 سم ، وتمثل التماس الجسمي مع الآخرين .
2 - المسافة الشخصية ولا تتجاوز 120 سم .
3 - المسافة الاجتماعية : ولا تتجاوز 220 سم " كما في المعاملات التجارية وقضاء المصالح " .
4 - المسافة العامة : وترتبط بحدود المكان التابع لكل شخص أو بحدود مجال حديثه
المكان في القصة " النص السردي " :
المكان عنصر من عناصر البناء القصصي الذي تدور فيه الأحداث وتتحرك الشخصيات ، ويقوم بدور المناظر الخلفية في المسرح ، كما يلعب دوراً أساسياً في إظهار المضمون الاجتماعي أو السياسي للقصة ، وقد يجعل الكاتب المكان مقدمة للقصة وتمهيداً لها .
علاقة المكان بالنص :
1 - قبل النص : حيث يشكل المكان دافعاً للإبداع .
2 - أثناء النص : حيث يدخل المكان في نسيج النص من خلال حركة السارد في المكان .
3 - بعد النص : يتعلق هذا الجانب بالمتلقي " القارئ " وطريقة تلقيه للإشارات المكانية التي يرسلها القاص ، ويرتبط ذلك بقدرة الكاتب على اختزان أمكنة مغايرة لما يعهده القارئ أو تقديم المكان المعهود بصورة فنية مختلفة .
مفهوم المكان في القصة :

لم يهتم النقد بالطريقة التي تقدم بها القصة وضع الإنسان أمام محيطه المادي " المكان " الذي لا يكاد يوجد منعزلاً عن بقية عناصر السرد ، وهو يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد مثل الشخصيات والأحداث والرؤى السردية " وجهات النظر" ، ولا يوجد الفضاء القصصي إلا من خلال اللغة ، وهو يختلف عن فضاء السينما والمسرح " الأماكن التي ندركها بالبصر ، وهو فضاء يوجد من خلال الكلمات المطبوعة ، وغالباً ما يلجأ القاص إلى طائفة من الإشارات وعلامات الوقف لتقوية سرده ، وينشأ عن التقاء فضاء الألفاظ بفضاء الرموز فضاء جديد هو الفضاء الموضوعي للكتاب أي فضاء الصفحة والكتاب حيث يلتقي وعي الكاتب بوعي القارئ .
أماكن الإقامة :
قسم حسين بحراوي أماكن الإقامة إلى أماكن إقامة اختيارية " البيوت " وأماكن إقامة إجبارية " السجن " وجعل منها قطبين متناقضين ، والحقيقة أن أماكن الإقامة الاختيارية لا تقتصر على البيوت فقط ، لأن البيوت أماكن للإقامة الدائمة ، بينما توجد أماكن للإقامة المؤقتة مثل الفنادق والمستشفيات وأماكن العمل كالمدارس والمكاتب والعيادات والدكاكين والورش وغيرها ، كما توجد أماكن إقامة إجبارية غير السجون مثل المستشفيات للمرضى والمصحات النفسية ومشافي المجانين والإصلاحيات وتحديد الإقامة " الإقامة الجبرية " وغيرها .
وهناك أماكن الانتقال وتنقسم إلى :
1 - أماكن الانتقال العمومية : مثل الشوارع والأحياء الراقية أو الشعبية .
2 - أماكن الانتقال الخصوصية : مثل المقهى والمطعم والنادي .
مفهوم المكان في القصة :
1 المكان القصصي : وهو المكان الذي تصنعه اللغة للتخييل القصصي .
2 - الفضاء : وهو مجموعة الأمكنة في القصة وإطارها المتحرك .
3 - الفضاء الجغرافي : وهو مكان ينتجه الحكي وهو محدود جغرافيا ، قابل للإدراك ، يتحرك فيه الأبطال .
4 - الفضاء الدلالي : وهو الصورة التي تخلقها لغة الحكي .
5 - الفضاء النصي : وهو الفضاء المكاني الذي تشغله الكتابة على الورق وطريقة تصميم الغلاف الذي يشمل العنوان ولوحة الغلاف والإهداء وكلمة الغلاف .
أبعاد المكان :
1 - البعد الجغرافي : لا تكاد توجد قصة لا تتضمن بعض العناصر الجغرافية التي تساعد على تحديد المكان المتخيل .
2 - البعد النفسي : وهو البعد العاكس لما يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي .
3 - البعد الهندسي أو المعماري .
4 - البعد الفيزيائي : ويشمل حركة الشمس ، وانكسار الضوء .
5 - البعد التاريخي " الزمني " : وهو الزمن الكائن في المكان ، لأن المكان يمثل خطاً أفقياً يتحرك عليه الزمن ، والزمن هو كمية الحركة في المكان .
6 - البعد الاجتماعي : في المكان تعيش الجماعات البشرية وتتطور وتضع قوانينها ولغتها وأعرافها وتقاليدها .)




 



Add a Comment