المظلة

إبداع ونقد

القصة القصيرة جدا.. وملامح بنائها الجمالي

سعدي عبد الكريم
عن موقع أدب  فن
 
تتمحور مناطق الاشتغال الجمالي (الاستاتيكي) داخل ثيمة القصة القصيرة جدا ذلك الجنس الأدبي الذي يتفاعل في اخصاباته الحكائية في جوهرها على الامتداد اللا مرئي لبنية النص المجاور، الذي يختفي تحت ظلال مفاهمية الاستقراء الآني اللحظوي، حيث بإمكان العين النقدية المبصرة تلمس هذه الجذور عبر إلغاء منافع (السرد) داخل ذلك المنتج الإبداعي، رغم أنها لا تتكئ كثيرا على الثيمة ذات الوحدات الأرسطية الثلاث:-
1- وحدة المكان
2- ووحدة الزمان
3- ووحدة الموضوع
وبكونها أيضا لا تعتمد على الحبكة باعتبارها، تحكم الخطاب الدرامي إحكاما وتوثقه حتى لا يفرط عقده، وفي الوسيط جاء عن الحبكة (حبكَ الشيء حبكاً، اي أحكمه، وحبك العُقْدَةَ قوى عقدها ووثقها) بل راحت تخلق لها مظاهرية وشكلنة مجاورة تعتمد على السؤال الفلسفي والسياسي، والاجتماعي، والذاتي المحض، وتطرحه وفق ملامح تنشيطية لذاكرة (المتلقي) في قراءة الأنموذج (القصصي) عبر صياغة دلائلية هاربة من محتوى القصة، أو الرواية، باعتبارهما منتجين أدبيين قائمين بذاتهما، ولهما مقومات فنية وتقنية ملزمة ابتداء من التكوين الاستهلالي مرورا بالوسط وانتهاءا بالإقفال، وضرورة تسيد البطل لعملية الصراع والمحافظة على الشخصيات المجاورة وإدامة فاعليتها المساندة.
والقصة القصيرة جدا في نظرنا، هي تكوين حكائي هندسي جمالي معرفي يفضي بالذات الإبداعية الى مناخات وفضاءات في اللا مرئي في هيكلتها البنائية المتفردة. التي تنتمي لغرائبية موغلة بالذاتية، وعنصري المفاجأة والومضة السريعة، والاقتضاب السردي، والنص القصصي داخل هذا المنتج الأدبي، يعتمد على اللغة المتشظية والمتكئة على الإبهار الجمالي، والانتقال عبر الصورة المرئية المركبة في جداول الاستقرار داخل أماكن البوح الاستاتيكي وهناك ثلاثة ادوار رئيسية أساسية تشكلن فحوى هذا المنتج الصعب في تقديرنا، وهي أولا (البطل) الذي يتمفصل الى ملمحين الأول الظهور الومضي او العائم الذي سرعان ما يخفي خلف الجملة الصورية الجمالية في اللغة ليهرب من تلابيب استحكامات الثيمة ليظهر ثانية، وكأن لظهوره هذا الغير مرتكز على عناصر الصراع داخل الثيمة، منافع ومضية تغني هذا الاقتضاب للوصل الى نتائج مثلى لاختراق ذهن الاستقراء، واما المفصل الثاني، البطل المحاذي الذي يجول داخل هذا التشكيل الجمالي المجاور للنص، والمحاذي لمراحل ملامس القصة ليترحل بذاكرة الاستقراء صوب تدشين الملامح، لجملة من العوامل الذاتية التي ترافق عملية الكتابة، وهذا المرتكز الاغوائي هو محور جذب فنطازي، تفرضه علينا ذاكرة المبدع (الكاتب) لتشكيل جملة من التفاصيل الجمالية التي تمزج تُماثل ما بين الواقع والخيال، لتكوين مظاهرية النزعة الآنوية داخل مكامن الخطاب الأدبي، وبما ان السرد قد ألغته إنشائية هذا المنتج الأدبي وبقصدية فاعلة ومتفاعلة مع النص المجاور، لإنتاج نص متكامل أثناء تشكيل الخطاب الأدبي الجمالي، لذات المنتج.
والقصة القصيرة جدا تشتغل أيضا على مناطق الومضة الحاذقة السريعة التي يمكن لذهن الاستقراء او التلقي ان يدون ملامحها الجمالية بذات الإيقاع المتناول السريع، وتقبع خلف عنونتها هياكل جمالية مقرؤه من اللحظة الأولى لالتصاقها بمعالم الرمز والدلالة والإشارة والعلامة القائمة على السيميائية ، بآعتبارها علم يشتغل على بواعث الدال داخل اللغة والمدلول ، خارج إيقاعها ، وعبر الترف اللغوي المبهر لآيصال المتلقي لحالة الفضول ، مرورا بالدهشة ومن ثم الصدمة وإحالته الى مراكز الجمال التحريضي والتغييري ، وقد اتكئ هذا النوع الأدبي ، على مرتكزات عديدة ولعل أهمها المرتكز الذاتي ، باستخدامات متفاوتة عبر المنتج القرائي البعيد عن المذاهب الكلاسيكية فهو غارق في أطروحاته الفلسفية الجمالية، وهناك الكثير من النماذج القصصية التي استثمرت ( المنثلوجيا) او التراث ، او الأسطورة ، او الفلكلور ، واعتنت بهم اعتناء خاصا ووظفتها توظيفا دقيقا ويمكن لنا قراءة هذا البعد الشكلاني في محاور الخطاب القصصي، حيث أنها مالت لاستخدام الملامح التراثية العراقية في أكثر من نص .
أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي قائم بذاته ذو إمكانات تعبيرية خاصة . لكنه يحفل بالكثير من الصعوبات المتكئة على الاختزال او الاقتصاد اللغوي ،
فالقصة القصيرة جدا تحمل في فضاءاتها ، غواية خاصة بحكم حجمها الموغل في القصر ، لكن التحديد الكمي لمفهوم القصة القصيرة جدا يحصره في مسألة الاقتصاد اللغوي . و يغفل خصوصيات الإبداع فيه المحكومة بقصر الحدث و بمبدأ التكثيف الفني والدلالي . مما يفرض الالتفات إلى البنية الخاصة لهذا الجنس الأدبي الذي يستدعي قدرات خاصة أيضا في توظيف آليات القصة ، وان التحديد الكمي ، من شأنه ان يزج ببنيته في السطحية . ومن هنا ، لا بد من إيجاد صياغة دقيقة لهذا الجنس الأدبي ، مما يعني بالتالي وجود حدث و آليات سردية وتقنيات تحمل المتلقي الى عوالم قصصية حقيقية ، أما عبارة "جدا" فإنها تلمح إلى ما يميز هذا اللون القصصي . وهو قصر الحدث و قوة التكثيف و بلاغة السرد ، بحيث لا يبرحها القارئ من دون أن تخلق في نفسه ديناميكية ذهنية تقوده إلى آفاق رحبة للقراءة وإعادة القراءة .
والقصة القصيرة متميزة برصد حالة راهنة ذهنية متقدة ، وبناء عوالم سرديــة بمساحة مهمة في الحدث و الزمن القصصي ، أما القصة القصيرة جدا فتستجلي في ومضة تلك الرؤية ، وإجراء عملية تكثيف للثيمة القصصية بأدوات مهارية فنية ولغوية عالية ، وبين التفاصيل و الومضة ، اختلاف شاسع مما يؤدي الى تباعد القنوات التقنية والإبداعية ، ما بين الرواية والقصة القصيرة ، والقصة القصيرة جدا . ليكتسب كل جنس ادبي ، طابعا مغايرا للآخر تبعا لخصوصيته التدوينية .
في ضوء ما تقدم يمكن لنا تحديد هذا المصطلح أن نقرر تقنيات وجماليات فنية خاصة تعنى بهذا النوع من القص ، من أهمها :-
1- الاهتمام بالجهد التكثيفي اللغوي والاختزال في المضامين ، لينتمي المنجز ، الى جنس القصة القصيرة جداً .
2- التحليق بالمنجز الى درجة عالية من الشعرية في اللغة والدلالات والإشارة والعلامة ، عن طريق التناظر ، ما بين الإيقاع الداخلي ، وبين موسيقاه الخارجية .
3- الاعتناء في تجاوز التقليدية في البناء الزمكاني ، والحدث والشخصية و اللغة التقريرية المباشرة .
4- تحقيق درجة عالية من الانفتاح على مفهوم التجريب والتجديد ، في سياق الجماليات الحداثوية .
5- تحقيق الانفتاح في تخصص هذا النوع من السرد ، لأنه يتكئ على تداخل الأجناس الأدبية مما يشكلن مفهـوم ( النص المفتوح ) في آنية التدوين ، بمعنى الابتعاد بمفهوم المقارنة .
6- الاهتمام بتوصيل الومضة المنسوجة في النص المجاور للقصة .
7- الاهتمام بعنصر المفاجأة داخل البناء الحكائي .
8- التركيز على الدال دال اللغة ، والمدلول خارج تكويناتها المُنجدية .
9- المحافظة على صقل عناصر التكوين الجمالي عبر النسيج اللا مرئي .
10- الابتعاد عن مذهبية التناص داخل الأفكار التواردية او التخاطبية .
وعلى هذا النحو تبدو جماليات القصة القصيرة جداً جزءاً مهما من تعريف هذا المصطلح الذي يعتني بالاستحضار الجمالي الذاتي وصولا لاحداث التثوير الجمالي الجمعي .
لقد أغرت القصة القصيرة جدا الكثير من الأدباء للخوض في معترك الكتابة فيها ، لكون مساحة النص صغيرة نسبيا ، ولا تحتاج الى سرد موسع ، حيث ولج مجال كتابتها عدد كبير من الشعراء وبالأخص كتاب قصيدة النثر كونها أقرب الى هذا اللون الشعري .
وفي العراق برز عدد من كتاب القصة القصيرة جدا الذين أبدعوا في كتابتها وتفننوا في أساليب القص ، مثل القاص ( حنون مجيد ) و ( كريم الوائلــي ) و( علوان السلمان ) و( ايناس البدران ) و( نجاة عبدالله ) و(جابر محمد جابر ) و( كاظم الميزري ) و ( منتظر ناصر ) و( ضياء مهدي ) وثمة أسماء عديدة أخرى ، لا يمكن حصرها في هذا البحث .
تُعد القصة القصيرة جدا ، جنسا أدبيا ، اثبت المعنيون بالكتابة له ، أن هذا النظام المعرفي القائم بذاته ، هو جنس أدبي يحمل استقلاليته ورؤية بناءه الفنية والتقنية الخاصة بمعالمه التدوينة .
ولكن الذي يفصل البناء القصصي عن هذا الجنس الادبي هو( الحبكة ) التي تعتمد على البناء المنطقي بربط كل حدث مع جملة الأحداث بما يليه في الحكاية التي تعتبر الحبكة إحدى وسائل تقديمها ، حيث ذهب ( ارسطو ) إلى القول بأن قصة المسرحية تنطوي على عنصرين مهمين هما :-
1- الشخصية
2- الحبكة
فالحبكة هي العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الدراما المسرحية وقسم الحبكة إلى ثلاثة عناصر مهمة هي :-
1- البداية / تبيان المشكلة التي تعالجها المسرحية .
2- الوسط / الجزء الذي يطور العناصر التي طرحها التمهيد ( البداية )
3- النهاية/ أزمة الحد الأعلى من الإحساس بالتوتر وغالبا ما تكون اللحظة التي يتحول فيها ( حظ البطل ) .
وجاء بعد ( ارسطو ) كتاب ونقاد منهم من اتفق معه وحذى حذوه ومنهم من عارضه وخطأ زعمه ، وقد استبعد ( فورستر ) الحبكة حيث ذهب الــى القول أن الشخصية وليست الحبكة هي ( الطاقة المعبرة ) معتمدا على أن الشخصية هي التي تقدم الحكاية من خلال نمو فعلها وعلى الروائي والقاص والمسرحي أن يحبك (الفعل) . وكان (هنري جيمز) أكثـر شمولا من ( فورستر ) عندمــا قال بإمكان التبادل بين الحبكة والشخصية ، لإنتاج أنموذج حكائي متقن .
وتعاقب النقاد والكتاب وربطوا الحبكة بمفهوم ( الطاقة ) أي الفعل في الزمن وحركة الأفكار المعبرة وذهب بعضهم إلى أن الحبكة تقليد كلاسيكي مهمل يجب أن يلغى من القاموس الحكائي والنقدي والاعتماد على حبكة ( الفعل ) وهذا المجال البحثي الذي يهتم بماهية الحبكة في النصوص الإيمائية والاشاراتية والعلاماتية ، التي تعتمد على اللغة ، سبيلا لها في استثمار أدواتها الفنية والتقنية التوصيلة التي تعتمد على الفعل المرسوم بواسطة النسيج القصصي التي يشكلنه الحدث بصورة ومضية مرئية داخل المنجز القصصي القصير جدا باعتباره محفزا تثويريا عاليا ، لخلق استجابة مثلي من لدن المتلقي .
ومما تقدم في متن البحث ، يمكننا القول بان بإمكان هذا الجنس الأدبي ( القصة القصيرة جدا ) الموغلة بالشاعرية والومضة وعنصر المفاجأة والاقتضاب في السرد والابتعاد عن ملامح الحبكة بتعريفها المُنجدي ، والغائرة بملامح القصر السعوي ، والاعتماد الكلي على فضاءات التهافت اللفظي المتكئ على اللغة النثرية والشعرية ، أن تشتغل على العديد من المواطن الفلكلورية والرمزية والمثنلوجية والأسطورية والشعبية ، والحصول من فنونها ، على ارقي أنواع الكتابة الأدبية الراقية التي تهتم بالاختزال السردي ، والابتعاد بالكلية عن ملامح استسهال الكتابة في ملاذات هذا الفن الأدبي الرفيع .


Add a Comment