المظلة

إبداع ونقد

ملف الكاتب المغربي أحمد بوزفور عن الفوانيس القصصية "الجزء الثاني"

الوجه العزيز:السي أحمد بوزفور
 
 
 
بورتريه أحمد بوزفور
بوجمعة أشفري
 
أحس بأني محكوم بولادة مؤبدة

على مسافة أقل من مد البصر، حينما يطالعك وجهه، ترى ابتسامته تستقبلك قبل أن يصافحك يدا بيد أو خدا بخد. يا لسحر هذه الابتسامة التي ظلت هي هي رغم مرور الزمان وتقلبات الحياة. إنه القاص أحمد بوزفور

الذي تعاهد مع نفسه ومع العالم بأسره على عدم مغادرته لطفلته الخالدة التي تحمل اسم «القصة القصيرة»...

«الكيمياء تتقدم... أفسحوا الطريق»، قالها ديمتري كارامازوف لرهبان الدير، ويقولها القاص أحمد بوزفور لرهبان الكتابة «الذين يطالبون القصة وينتظرون منها أن تكون بدون نقائص»، ذلك لأن كمال القصة في نظره هو توازن نقائصها.

أنا الآخر

تراه ماشيا في الصباح (حوالي العاشرة أو الحادية عشرة) باتجاه الحلم الذي انفلت منه عند انبلاج الفجر.. يذهب ببصره بعيدا هناك على امتداد رصيف الشارع المؤدي إلى منزل حبيبته الخالدة في حلم الحياة وحياة الحلم..
وتراه جالسا في مقهاه المفضلة (هنا أو هناك)، مساء، يشارك أصدقاءه فرحه بالحياة أو فرحه بفيلم شاهده أو قصة قصيرة خرج منها محموما بسبب الجمال الكامن فيها أو ربما بسبب الجمال الكامن فيه.
وهو أيضا نفسه الذي تراه عائدا ليلا إلى شقته متأبطا جرائد الصباح الآتي أو كتابا أو رواية يمنحها وقتا من الليل، ثم يطفئ الضوء ليصحو على نور حلم كامن في قصة قصيرة محتملة.
إنه القاص أحمد بوزفور المهووس بالآخر على حد تعبير صديقه بورخيس: «أنا كل الآخرين وربما لا أحد. أنا الآخر/ الذي لا يعرف من أنا، الذي نظر إلى ذاك الحلم، إلى يقظتي/ يظهره -حلمه- مبتسما/ وبزهد./ زاهدا ومبتسما..».
أحمد بوزفور صاحب «النظر في الوجه العزيز» و«الغابر الظاهر» و«صياد النعام» و«ققنس» و«قالت نملة». أحمد بوزفور الذي اختار أن يجمع للمرة الثانية آثاره القصصية القصيرة ويسكنها في منزل القلب باسم «ديوان السندباد». أحمد بوزفور الذي لا يملك في هذه الدنيا سوى ثلاثة منازل صغيرة: حبيبته الخالدة القصة القصيرة وشقته الصغيرة ومجموعة البحث في القصة القصيرة... آه، نسيت منزلا آخر: أصدقاؤه الذين يرتاح إليهم ويرتاحون إليه، في الضحك نكتا والانتشاء ليلا والسفر أحيانا.
النكت، يموت فيها السي أحمد.. يموت ضحكا وهو يستمع إليها تروى بلسان أصدقائه.. ويموت ضحكا فيها وهو يرويها بلسانه لأصدقائه... وها هو صديقه القاص والروائي محمد صوف يبوح بعشق السي أحمد للنكت: «إذا حكيت نكتة لبوزفور سيستمع إليها ويضحك ملء شدقيه و لو كان يعرفها.. ثم عندما يرويها، يرويها لا كما سمعها، بل كما كتبها من جديد.. وهكذا تفقد النكتة هويتها وقد تصبح موزونة على بحر ما.. وقد يضاف إليها عنصر غرائبي أو لفظ منحوت أو صورة جديدة تكون وليدة لحظة الحكاية لأن الصور الضاحكة عند الرجل تتناسل تلقائيا».
القصة القصيرة لا تشيخ، تماما مثل النكتة التي يتجدد شبابها في لحظة الضحك. يقول عنها: إنها طفلتي الخالدة.. طفلتي التي اسمها كوثر في قصة قصيرة داخل غيابات «الغابر الظاهر». وكوثر في الغابة «بردانة» تطلب النار التي في الأفق: «لم تر في الليل والغابة إلا تلك النار الصغيرة تغمر بالخوف والحب. قالت الطفلة: يا نار، إن كنت نار إخوتي فاقتربي اقتربي، وإن كنت نار الجن فابتعدي ابتعدي. وكانت النار تبتعد كلما اقتربت كوثر. فلما أجهدها السير والخوف والوحدة، سالت على خديها الدموع الصغيرة المرتعشة، وقالت: يا نار اقتربي حتى لو كنت نار الجن اقتربي... وسارت الطفلة والنار نحو بعضهما...».

 

الدخول إلى فريواطو

«دع مئة زهرة تتفتح، والباقي للأجمل»: هكذا يجيبك القاص أحمد بوزفور حين تسأله عن الآخرين (الشباب) الذين يكتبون جنس القصة القصيرة. وهكذا هو أيضا مع القصص التي تجرب الأشكال ولا تحب الأصفاد.. القصص التي تخرج من الناس وتحيا مع الناس وتموت حبا في الناس.. القصص التي لا تقول لا للزحام ولا تقول لا للركوب في الطاكسيات والحافلات ولا تقول لا للدخول والخروج من المغارة...
دخلت ذات عصر إلى مغارة فريواطو، ولما أعياني السير، انزويت إلى ركن وأغمضت عيني.. ورأيت في ما يرى النائم أحمد بوزفور جالسا قبالة آخره.. كانا يتحدثان كلاما لم ألتقط منه سوى مزق كلمات: أنا.. لم.. لن.. أتخلى.. عن... وفجأة مد بوزفور يده اليمنى إلى آخره ومسح بها وجهه، فصارت صفحة الماء زرقاء... تساءلت بعد أن صحوت من غفوتي: هل كان القاص يتأمل صورته المنعكسة على سطح الماء؟ هل الصورة هي آخرنا الذي نمد إليه يدنا أو خدنا؟ ثم ما هذه الزرقة التي طفت على سطح الماء؟ لو كنت خارج المغارة لقلت إنه انعكاس زرقة الغلاف الجوي الذي نسميه سماء.
وفجأة أدركت أن أسئلتي لا معنى لها، ذلك لأنني لم أكن في المغارة التي دخلتها قبل أن أغفو، بل كنت في الحلم، أو على الأصح كنت في مغارة الحلم، أو ربما -وهنا المفاجأة- كنت مع القاص أحمد بوزفور في مقهاه المفضلة وهو يحدثني عن الكاتب الحمل والكاتب الذئب: «الأول يا عزيزي كاتب يعاشر (بكسر الشين) ويعاشر (بفتح الشين)، يخرج إلى الناس، ويعيش معهم، ويكتب عنهم. وهم في المقابل، يعتبرونه مرآتهم، يجدونه مستساغا، بل حلوا.. وفي النهاية يأكلونه. أما الآخر فكاتب متوحد، يعيش في عزلة، وينفر من الناس والأضواء والشهرة، كأن الشاعر تأبط شرا يتحدث عنه حين قال: (قليل التشكي للهم يصيبه/ كثير الهوى شتى النوى والمسالك/ يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي/ بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك). والناس بالمقابل لا يفهمونه غالبا، ويجدونه غريبا أو متوحشا أو متكبرا، ولا يستسيغون لحمه إذا ذاقوه، كأن به سما...».
وتساءلت بيني وبين نفسي، حين انتهى بوزفور من حديثه: ترى أي الصنفين ينطبق على قاصنا الجميل: الحمل أم الذئب؟ أم إنه يجمع فيه الاثنين ليكون هو الثالث. ربما.. وربما كان بوزفور يتحدث عن الكاتب الذي يحلم أن يكونه...

 

سحر الابتسامة

على مسافة أقل من مد البصر، حينما يطالعك وجهه، ترى ابتسامته تستقبلك قبل أن يصافحك يدا بيد أو خدا بخد. يا لسحر هذه الابتسامة التي ظلت هي هي رغم مرور الزمان وتقلبات الحياة. ومن قال إن الابتسامة يؤثر عليها مرور الزمان؟ الابتسامة تبقى طرية ودافئة ومغمورة بأولى خيوط الضوء.. تماما مثل حليب الرضاعة وتراب الطفولة وصلصال الكتاب (الجامع). هكذا تبدو لي ابتسامة أحمد بوزفور. وهكذا يبدو هو، تحضنه القصة القصيرة كلما التقته، وتهمس في أذنه قائلة: ما هذه الابتسامة الساحرة يا بوزفور. فيجيبها: «رأسي في الخارج أصبح، وسائر جسمي بعد في الداخل، وأنا أولد شيئا فشيئا، وأنا أتولد… لكن دون نهاية. أحس أن هذه الولادة لا نهاية لها، وأنني سأبقى هكذا إلى الأبد، أولد وأولد وأولد، دون أن أولد، أحس أني محكوم بولادة مؤبدة، وأني سوف أعيش أولد حتى أموت...».
 

أحمد بوزفور عميد القصة القصيرة بالمغرب

مصطفى لغتيري

أحمد بوزفور كاتب مغربي متميز ، ما فتئت قامته الإبداعية تتمدد سامقة ، تطاول عنق زرافته المشتعلة، و هو يمخر عباب رحلته السندبادية ، في صمت الناسك المتعبد .. أخلص للقصة القصيرة ، فأخلصت له ، حتى اقترن اسمه باسمها ، فيما يشبه الحلول الصوفي .. إنها عروسه الجميلة ، تحاكي في جمالها برتقالته الشهيرة .. فنان ينحت القصة ، فتخرج من بين يديه لوحة صقيلة ، لا حشو فيها و لا نقصان .. ملامحها دقيقة ، تتأبط وسامتها ، فلا يملك القلب إلا أن يتعلق بها ، فتبادله حبا بحب .. لا غرابة ، إذن ، أن ترتفع أصوات هنا و هناك ، تزداد حدتها يوما بعد يوم ، لتنصبه عميدا للقصة القصيرة في المغرب.
عرفت أحمد بوزفور أول مرة ، في قاعة الدرس ، أستاذا محنكا ، خجولا ، يتدفق نبعه الإنساني ليغمر الطلبة من حوله ، آخذا بأيديهم ، ليعبر بهم  مفاوز الشعر الجاهلي  و مغاوره ، بأسلوبه الممتع ، الذي بقدر ما يثير في العقل قلق السؤال ، يروي في وهاد النفس عطشا وجدانيا أججته الرغبة العميقة في المعرفة.
بسمته لا تبارح سحنته ، و " غرغراته " ترصع فيض حديثه الهادئ ، الرصين ، العميق ، النابع من ثنايا قلب دافئ ، يسع - بأريحية- شغب أسئلتنا المخضبة بحرقة الكشف و لوعته.
ذلك القادم من أحضان قريته الهادئة بإقليم تازة ، حيث " طفولة الجبال و الآفاق الواسعة " هناك حيث اكتشف الطفل بوزفور  مبكرا كتاب " ألف ليلة و ليلة" حين تسلل خلسة إلى مكتبة جده من أمه ، الذي كان يشتغل بالقضاء  ، فنسج مع هذا الكتاب علاقات سرية توطدت وشائجها  بينهما بمرور الزمن..
استقبلته مدينة فاس ، فاتحة له أبواب جامعتها الأشهر من نار على علم " جامعة القرويين" ليغترف من معين علمها الذي لا ينضب.. و بين دروب فاس و أزقتها أصيب الشاب بوزفور ب "لوثة" السينما و الرواية ، فتفتحت شخصيته على عالم الخيال الرحب بكل التواءاته و تعرجاته .. و ما لبثت" لوثة" أخرى أن تسللت إلى وجدانه ، وهي "لوثة" النضال " ليشارك في الإضرابات و الإحتجاجات ، مما تسبب في طرده من الثانوية..
 ،  و بعد اجتيازه بنجاح  للباكالوريا الحرة  ، سجل بوزفور نفسه  بكلية الآداب بفاس ، شعبة اللغة العربية و آدابها سنة 1966  ، فتتلمذ هناك على أيدي أساتذة أجلاء بصموا نفسيته و عقله ببصمات بارزة ومن هؤلاء الدكتور أمجد الطرابلسي.
و بعد انحراطة في سلك التعليم  انتهى المطاف ببوزفور في كلية الآداب بالدار البيضاء ، هناك حيث ارتبط اسمه في أذهان الطلبة بالأدب الجاهلي ، هذا التخصص الذي أتاح له الغوص العميق في بحيرة الشعر الجاهلي ، كانت ثمرته المباشرة  كتابه المتميز حول تأبط شرا . توالت إبداعاته القصصية و النقدية ، موسومة بهاجس التجديد و التفرد ،توجهه في ذلك نظرة ثاقبة و عميقة محددة معالم الطريق الذي يشقه بصبر و أناة ، يقول أحمد بوزفور في كتابه الزرافة المشتعلة " إن الثورة في الفن ليست فكرا و لا شعورا ، بل هي عمل و إنجاز ، ليست بيانا بل كتابة " و كأنني به يقول لا يكفي أن نعلن عن نيتنا في التجديد أو ندعيه ، بل علينا أن نمارسه في كتاباتنا ، إنه فعل وممارسة و ليس مجرد أقوال و نوايا حسنة.
تمثل كل مجموعة من مجاميع أحمد بوزفور القصصية - كما يرى هو نفسه- مرحلة من مراحل حياته الإبداعية:
أولا :مرحلة " النظر في الوجه العزيز" و سمتها الطفولة.
ثانيا :مرحلة "الغابر الظاهر" ، وتتميز بالتعبير بواسطة التراث الشعبي.
ثالثا: مرحلة " صياد النعام" و انشغالها الأساس الاهتمام بالكتابة في ذاتها.
 في معلمته النقدية "الزرافة المشتعلة " تحدث بوزفور بعشق و بلغة شاعرية مبدعة عن محبوبته القصة القصيرة " تلك الطفلة الخالدة" التي أغوت هذا الكاتب الصب ، العاشق الولهان ، ليقرر بعشق صوفي أن القصة " بيت من لا بيت له ، أسرة من لا أسرة له ، صوت من لا صوت له " ،واضعا نصب عينيه التنظير لفلسفته في الكتابة و التي يطلق عليها نظرية " التلويث" داعيا و مروجا للكاتب " الملوث المجرثم المعدي ، الذي يسبب الصداع ... "إنسان الشقيقة" الذي يطهرنا من الوحل " ذلك الذي تتمز كتابته ب "التردد و الشك و الارتياب و التشتيت".
 و لعل ما يميز العميد بوزفور - بالإضافة إلى ما تقدم - احتضانه الدائم للتجارب الشابة ، والأخذ بيدها حتى تتجاوز سديم البدايات ، فقد أعلن في حوار أنجزه معه طلبته بأنه يحب هؤلاء الكتاب الشباب و يتوسم فيهم نهضة القصة المغربية.
فشكرا لك عميدنا الرائع ، أديبا و ناقدا و إنسانا .. ودمت لمحبوبتك المدللة ، دوما تنتشي- هي- بصحبتك، و تسعد - أنت- بتألقها.

 

* ألقيت هذه الشهادة ضمن حفل تكريمي للكاتب أحمد بوزفور نظمه نادي القصة القصيرة بالمغرب في فاتح يونيو 2002
 

الساحر

عبداللطيف النيلة 


    تحت ظلال شجرٍ باسق، في عرصة البيلك بجامع الفنا، حظيتُ، صحبة صديق حميم، بمتعة اكتشاف بوزفور. كنا تلميذيْ باكالوريا، نوقع بمكابدة خطواتنا الطفلة على درب القصة، عندما أغوتنا- صَباحَئِذٍ - قصة «الأحد» المغايرة لما ألفنا الانكباب على قراءته...
   أيتها القصة افخري بأن ينتسب إليك كاتب ساحر بقامة أحمد بوزفور! هو فنان خبير بماهيتك: يجيد تشييد معماركِ، لبنةً لبنة، على نحوٍ يمْهركِ بأثرٍ كلّي يستثير الاهتمام. يلاعب اللغة ويطوعها لمراميه رشيقةً دقيقةً عميقة، فتحس بالكلمات تتوالى في إيقاع ينساب يسيرا من غير تكلف، واشيةً بالجهد المبذول في جَدْلِها ضفائر تتحرى دقة التعبير؛ وتكتشف كيف تنتسج بين الكلمات وشائجُ تهَب السرد غورا، وتُشرع له أفق الدلالة على مصراعيه. يغير جلدكِ كأفعى على الدوام، هاربا من جذام الجاهز، متأبيا على إغراء المكرّس، فيُسبغ عليكِ، في كل مرة، ظهورا جديدا (فأنتِ في «الرجل الذي وجد البرتقالة» غيركِ في«آخر أيام سقراط»، أو«الغابر الظاهر»، أو«الفنان»، أو«العازفة الزرقاء»...). من ماء السؤال المقرون بالتأمل، ومن نارٍ تلتهب بألسنةٍ شتى (أسطورية، شعرية، دينية، فلسفية، فنية، علمية...)، يخلقكِ كيانا حيّا مركّبا، وشائقا مؤثرا.
   حدث ذات مساءٍ بعيدٍ أن بهرتني «سبعة رجال»، فلم أكد أفرغ من تذوقها حتى كتبتُ، دفعةً واحدة، قصة نالت مؤخرا جائزة وطنية. تقنيةُ النظرة الخارجية، كانت القاسم المشترك بين القصتين.
   تفاعلي مع الأجواء الحُلمية لقصص «قُقْنس»، بُعيْد صدورها، تمخض عن ميلاد قصة أخرى حازت جائزة عربية.
   هل أستطيع أن أنكر أن التجربة القصصية لبوزفور من التجارب القليلة التي أعاود قراءتها باستمرار، من أجل المتعة والاستلهام؟ أم هل أملك أن أجحد أن بوزفور أحدُ الذين علموني دروسا ثمينة يحتاجها كل ممارس للكتابة، سواء عبر قصِّه أو قراءاته أو مواقفه (مثلا رفضه الجريء لجائزة الدولة للكتاب، واحتفاؤه بالأصوات الصاعدة..).
   افرد جناحيك، وحلّق في الأعالي، يا ساحر القصة!



احمد بوزفور صاروخ قصصي عابر للأجيال*

محمد الحاضي



لملمت من الألقاب  و الصفات لأحمد بوزفور هذه :"سي احمد بوزفور" ،"السند باد"،"مسافر زاده الخيال"،"ابو القصص"،"البروفسور"،"قيس القصة"،"المبدع الذي ظل نمرا حتى بعد اليوم العاشر"، "الزاهد"،"العفيف"،"ملك القصة او رئيسها"..هذه فقط ما استطاعت عيناي و أذناي ..و هناك ،طبعا،مالم تستطيعا..وحتى الذي قال عنه "الشيخ" ذات تورم عابر أو مقيم (لست ادري)لربما يعلم جيدا أن" زاوية" مجموعة البحث في القصة القصيرة (وهذا الشيخ مجرد فرد /جزء منها و فيها) لا تبتغي في تصوفها المشرع على البحث و الإبداع و الترجمة غير عشق القصة ..
أما هو فيكتفي بالقول عن نفسه "أنا خفاش صغير لا أحب الأضواء"..حتى انه ود أن يكون حرفا لا شخصا ..
قد يسهل ويصح ويجب الفصل بين الإنسان و المبدع،فنقول في حضرة المادة الإبداعية وحدها:لا شأن لنا بنوع حياة الإنسان صاحبها ..وقد يصعب او لا يجوز الفصل بينهما ،لان الإبداع يحيا أيضا بالعلاقات/الصداقات و فيها..حيث تبدو الأخيرة محك إنسانية المبدع،او محك الإنسان في المبدع..و لعل ما نراه يطبع قبيلة او قبائل مبدعينا من الاصطفاف و التنازع و التلابز و التجاهل و الخيلاء ..هو من فعل نوع و طبيعة الإنسان ..و ليس من فعل نوع و طبيعة الإبداع ..
أما سي احمد الإنسان و المبدع معا ،فمعدن نادر،انه بكل بساطة الكاتب المنشد و المشدود دوما و بعمق الى الظل كما بتعبير سعيد منتسب.
فمنذ بدأ يساهم منذ السبعينيات في مغربة القصة القصيرة إبداعا فنيا و انتماءا سوسوثقافيا. رأى أن الوجه اللغوي و الفني و الأدبي للواقع المغربي يجب ان يكون هو موضوع و مادة الحكاية..و أدرك،ربما قبل غيره،كنوز الذات على الكتابة و فيها..فيما كان غيره ينوس بين الذات و الموضوع،الداخل و الخارج، هذا على أحسن التقدير.. أما في أسوئه، وهو الغالب الراجح، فالموضوع و الخارج كانا سيدا الوقت..وما الكاتب في حضرتهما إلا مناضلا ، او مبشرالتغيير ..و إلا فتهمة" التبرجز" جاهزة متأهبة .. لست ادري ماذا يقول عنه الفاوستيون الجدد (كما بتسميته) من مثقفينا اليوم؟
لهذا رفض احمد بوزفور منذ البداية ، ان يكون وجه الواقع مجرد" سلطة خامسة" ، كما رفض الجدانوفية، و الشعار،و البرنس المشرقي ،و التجريبية الموضة .. ومنذئذ ما انفك يكتب بمشاعره و أحلامه و تجاربه و قراءته – و ليس عنها- حاضنا طفلة اللغة و لعبها و العابها :هذه القصة القصيرة حتى لا تكبر أبدا و لا تموت.. و حتى يصير قصرها عقوقا ابداعيا هو خلخلة اللغة التي تفترض في نفسها الرشد و الكبر و الاكتمال ..كما بمفهوم جيل دولوز.. و حتى تسيرو تصير هذه القصة لا شعور الأدب وحقله الذي لا ينضب من زرع  و ترويض و تحويل و إشعال خامات اللغة و الشعر و الواقع و الذات و الثقافة .. و كأني بأحمد بوزفور يصرخ بلا ملل ولا كلل : ولكم في المغرب قصص يا أولي الجمال، او جمال يا اولي القصص ..
إن فرادة الإنسان و المبدع في احمد بوزفور جميلة حد التلويث ، لهذا تراه ، دوما ، لا يحب الأضواء التي لا تسطع قليلا أو كثيرا إلا لكي تعتم .. او تحجب.. او تبرر..او تعمي.. لهذا خجل من نفسه ان ينال تلك الجائزة المعلومة . لقذ اكتشفنا معه ، إذن، إن التلويث هو عينه الإنسان و الإبداع و الجمال و الحب و المعنى في سعيهم المسافر نحو الصفاء عوما في المستنقع ..
القصة عند احمد بوزفور هواية حرة ممتعة ، وليست حرفة . انما هي هواية لا يريد ان يشرك بها غيرها..القصة عنده" بلية"،" دودة" يكتبها و ينشرها، ويعذب رأسه و قلبه بحبها ..لهذا حين ياتونه المصابون بهذه" البلية" ليمارسوها معه ، لا يتطير منهم و يقول "الله يستر"،و لكن ينخرط معهم في المعاشرة و المغامرة،" واللي ليها ليها " كما يقول .. ولهذا صدق ذلك الذي قال ان احمد بوزفور يكاد يكون المبدع الوحيد تقريبا الذي يشجع كل من اصابه مس هذه" البلية" ، ولا يعتبر اخاه في الحرفة عدوا ،فتراه يحترم الخائفين على عروشهم في الكتابة حتى ضدا على ناموس الطبيعة ..حتى و هو يدرك ان وراء هذه العروش ما وراءها ..وان عروش الإبداع الحقيقي لا خوف عليها . كما تراه يعترف بالخوارج الجدد من الكتاب و يقدر خروجهم المائل من الخيمة .. دون نظرة تيسية او عصابية . ذلك لانه يعي و يعمل على ان تنتمي القصة (و عموم الابداع) لجيلها و تاريخها ، لتحيا حاضرها بين تجارب الماضي و هواجس المستقبل .. فتراه يتفاعل اكثر مع الكاتب المضارع الذي يتخذ القصة وسيلته للمشاركة في معمعان الابداع و الثقافة و الواقع ،و هو في كل هذا يرفض ان يكون ابا ،او وصيا على احد، الا على عشبة الخلود هذه القصة الطفلة . ان همه القصصي كهم الشجرة في البذرة و ليس في الثمرة ..كما تقول هذه الحكمة النيتشية ..
سي احمد متواضع بالسليقة و ليس تواضعاتيا .فلنتأمل أي إنسان و مبدع هذا الذي كل المعنى في حياته ان يكتب نصا جميلا يعجبه و يجد بعد ذلك قارئا ذكيا واحدا يتجاوب معه ويهتز له.. هذا الذي كل حلمه العزيز ان يتفادى سنه اعباء90درجة لكي يصل الى صومعته : رقم 19 ، وغرفتين ..حتى لا يضطر الى شراء كتاب يملكه و لا يستطيع العثور عليه بين اكوام الكتب في الحمام ..
ومع كل إنسانيته الصافية النقية ،و مغامراته الإبداعية الجميلة ، تظل الكتابة باللون الازرق هي حلمه المتفلت كأفق أمام مسافر ،نعم الأزرق، لكن الأزرق الأخضر و ليس الاسود ..مهما اختلطت امام عينيه الالوان .
نعم.سي احمد لا يهمه فعلا اذا خسر العالم و ربح نفسه.. لكنني اراه فيما يكتبه و يفعله و يحياه رابحا نفسه و العالم معا .
يقول سي احمد" ان أشواك طفولته زرعت في أمه تازة التي هي القادرة على لحسها..بينما أحلام شبابه تاهت في حبيبته كازا التي هي القادرة على احتضانها"..و بقدر نأي هذا اللحس لا تزداد تازة ، عنده ، إلا دنوا ، و حنانا شجيا ، تماما كما هي خصوبة و نقاوة ثدي امه الموزع حليبها هنا..و هناك ..في أشواك الجغرافيا .
--------
* نجيب العوفي
 

صياد النعام

حسن البقالي


السي أحمد بوزفور؟
"من يستطيع الحديث عنه؟ من يستطيع أن يشرب الراح مع التنين في الصيف؟"

في حوار سابق صرحت بأنه لو كان لي أن أعين أبا رمزيا في القصة المغربية, لكان بدون منازع أحمد بوزفور.ذلك أن مجموعته الأولى "النظر في الوجه العزيز" الصادرة سنة 1983 عن منشورات الجامعة شكلت حدثا ثقافيا بامتياز,  على مستوى المشهد العام أو بالنسبة لي أنا الذي كنت أخطو حديثا في ساحة القص. أحدثت المجموعة أول رجة بهيجة في وعيي الجمالي الأسير آنذاك لدهشة البدايات والمطمئن إلى السياق الثقافي العام.
كان عقد الثمانينيات زمنا لخلخلة الثوابت التي عمرت طيلة العقدين السابقين, وفك الارتباط بين حديقة الأدب والغطاء السياسي والإيديولوجي الضاغط. بدا الأدب كما لو أنه يتخلص من حدبة أثقلت كاهله دون داع, وبدأ يثير أسئلته الخاصة بوعي نظري وفني مغاير ركيزته اللحظة القصصية نفسها والهموم والاهتمامات الصغيرة لكاتب القصة الذي أعيته الخيبات.
وكان السي أحمد سباقا إلى إشعال الفتيل في جسد الزرافة (بحكم أن جل قصص المجموعة كتبت إبان السبعينيات) وإنارة الدرب للآتين, عبر نماذج وعلامات سردية مشرقة تمثلها "الرجل الذي وجد البرتقالة" "ذلك الشئ" "اللوح المحفوظ" وغيرها من القصص التي أضاءت الوجه العزيز للسرد المغربي.
سألتقي بأحمد بوزفور فيما بعد..خلال بضع ملتقيات للقصة القصيرة, أسمع منه كيف للرقبة أن تنادى بصيغة المذكر (قصة أيها الرقبة) وأسمعه على هامش القصة, جادا وهازلا..والواقع أنه من الكتاب القلائل الذين لا يصدم الإنسان بالتعرف عليهم عن كثب..حيث تضاهي إشراقة الإنسان فيه جمال الإبداع: دماثة خلق, حسن إنصات, روح نكتة, اهتمام بالكتابة الشابة ومواقف صادقة..فالكل يذكر موقفه الرافض لجائزة الدولة التقديرية للكتاب سنة 2002 للأسباب المعروفة (والتي لم يتغير منها شئ للأسف)..كما ستبقى "الزرافة المشتعلة" عنوانا للمحبة ويدا ممدودة توطئة للجسور الناقلة لعدوى الإبداع بين الأجيال والحساسيات..
السي أحمد بوزفور: صياد النعام..وصياد اللآلئ..
أنى كنت اللحظة..
لك المحبة.
 
                           

بوزفور : واحد ما منو جوج

 

محمد الشايب


سي أحمد بإبداعه الرفيع ، وبأخلاقه العالية ، وبابتسامته الفاتنة،وبهدوئه الساحر،وبقيمه ومبادئه وتواضعه الإنساني الخلاب،سي أحمد بزهده وصدقه وطيبته ونزاهته ،وهروبه الدائم من الأضواء الكاميرات في زمن رديء يسعى فيه الكتاب وأشباههم إلى الظهور والتعالي بشتى الطرق .
سي أحمد بكل هذا الطهر وهذه النظافة والنضارة واحد ما منو جوج .
التقيت بنصوص سي أحمد بوزفور مبكرا فشربت من معينها وحلقت في أجوائها الرحبة ،لكني لم ألتق بشخصه الكريم أول مرة الا في صيف سنة 2000 بكلية آداب ابن مسيك بالبيضاء في إطار مهرجان عتبات،وبالضبط في ورشة القصة القصيرة التي أشرفت عليها المجموعة الأدبية المتألقة ‹‹ مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب ›› .سلم علي بحرارة ،وقال انه يتشرف بلقائي ! فتساءلت في دهشة ،كيف تتشرف المعرفة بلقاء النكرة ؟ وكيف يتشرف الكبير بلقاء الصغير؟
منذ ذالك التاريخ ،ونحن نلتقي ،فأجد الرجل دائما كما عرفته أول مرة ،صادقا طيبا مثقفا واسع المعرفة وزاهدا وهاربا من الضوء نحن الظل .
عرضت عليه القدوم إلى بلقصيري ليكون ضيفا على جمعية « النجم الأحمر» في إطار اللقاء المفتوح مع الجمهور فرحب بأريحية ،وجاء ،ولم يخلف الموعد كما فعل الكثيرون ،وكان اللقاء رائعا ،فتولد عنه قرار
الجمعية إحداث «  جائزة أحمد بوزفور لناشئة القصة القصيرة » اعترافا بنوع من الجميل لهذا الإنسان العظيم ،ثم جاءت فكرة تنظيم الملتقى الوطني للقصة القصيرة كل سنة في مشرع بلقصيري ،فظل بوزفور السند القوي لهذا الملتقى ،وظل يواظب على الحضور رغم كل الظروف في وقت يتخلف فيه مثقفون  لا يأبهون بالهامش ،ولا يسعون إلا وراء الأضواء والفنادق الفاخرة !
يتخلفون عن الحضور،ويحضر هو بكل هيبته وطيبته وإبداعه الرفيع ،ورأيه السديد ،وبنكته وضحكاته الصافية وقلبه الأبيض .
وستظل جمعية « النجم الأحمر» مدينة لهذا المثقف المغربي الكبير والأصيل ،كما أن شخصي المتواضع أيضا سيظل مدينا له لما قدمه لي من تشجيع ،فظل يرعى كتاباتي بحنو نادر وهو الذي شمل بكرمه مجموعتي القصصية الثانية « توازيات » وأطلق عليها هذا العنوان .
وستظل القصة أيضا مدينة لهذا الأديب الذي يجوز للمغرب أن يفتخر به . فهو مبدع وناقد لا يتخلف عن مواعيد هذا الجنس الأدبي الفاتن . لهذا لا يمكن أن نذكر القصة القصيرة في المغرب كما بالوطن العربي دون أن نذكر أحمد بوزفور فهو أحد كبار مطوريها ومجدديها، وأحد فحولها وفرسانها ، وأبرز متصوفتها  وفقهائها والمخلصين لها .
عشق أحمد بوزفور القصة القصيرة ،فظل يقيم داخل خرائطها ، ولم يهجرها ، ولم يستبدلها ، ولم يعتبرها قنطرة تؤدي إلى عالم آ خر.
ظل بوزفور العزيز يبدع وينظر ، ويحتضن الخطوات الأولى دون أن يظهر أنه شيخ وأن صاحب الخطوة مريد ،بتواضعه الكبير المعهود حضن كثيرا من التجارب ، وفتح قلبه للكتاب الجدد، فقرأ لهم وقدم كتبهم ، وظل يتابع انتاجاتهم متحاشيا إبداء النصائح  لإيمانه بأن كتابة القصة كالموت تجربة فردية بامتياز إن سي أحمد هو من ساهم بالقسط الأوفر في تطوير القصة المغربية . وعمل على تخليصها من الكولسترول الذي كان قد بدأ يتصلب في شرايينها ، دفع بها إلى رحابة التجديد والأناقة والى التقاط الهامشي والمنسي ، والتوغل في دروب الحلم والشغب ومتاهات السؤال وجحيم اللا يقين ، وجعلها زرافة مشتعلة تثور ضد كل تغليب للاديولوجي  على حساب الجمالي .
ففي مجموعة « النظر في الوجه العزيز » كما في مجموعة« الغابر الظاهر» وفي مجموعة« صياد النعام» كما في« ققنس » ظلت نصوص أحمد بوزفور كصاحبها تشع جمالا وتهطل بالحلم ، وتفتح أبواب السؤال على مصراعيه ،و تغري بالسباحة في صمت وكلام السطور ، وتعطي قبل كل شيء برهانا كبيرا     على أن كاتبها مثقفا ملم برفوف الماضي والحاضر، وعلى أنه سخر ثقافته الواسعة ، وإحساسه المرهف لخدمة القصة القصيرة والسمو بها إلى أعلى دراجات الجمال .
إجمالا الأستاذ أحمد بوزفور جمع بين فرسية المبدع وفحولته ،وبين طيبة الإنسان وزهده وأبدا وأبدا لن تفي هده الشهادة من تلميذ له ، بحقه كاملا ، فمعذرة لسي أحمد عن كل تقصير ، وتحية حب واحترام وتقدير لشخصه الكريم .
 
 

أحمد بوزفور الساكن في مدينة القصة

فاطمة بوزيان
عادة ما يرتبط في دهني كل كاتب بمكان ما، ينتمي إليه حقيقة أوجكما، لهذا  تذكرني مدينة طنجة بمحمد شكري أويذكرني محمد شكري بمدينة طنجة، مثلما تذكرني شفشاون بالشاعر عبد الكريم الطبال أو يذكرني هو بها، تماما مثلما تذكرني المعاريف في البيضاء بالكاتب محمد زفزاف… بالنسبة للكاتب أحمد بوزفور لا يرتبط في ذهني بتازة التي ينتسب  إليها ولا بالدار البيضاء التي يقيم فيها  ولابأي مدينة أخرى، ليس فقط حين أقرأ أعماله القصصية، بل حتى حين أتأمل  صوره  المنشورة في موقعه بالإنترنت : إنها تحيل على أماكن متعددة من الشمال إلى الجنوب ليظل القاسم المشترك بينها جميعا كونها وسط مناظر طبيعية وبلا أي رتوش اصطناعية تماما كسندباد الحكايات ثم أليس هو ديوان السندباد! وإذا أردت أن  أحصر الأماكن التي رأيت فيها المبدع أحمد بوزفور اكتشف أني رأيته أول الأمر  في مدينة العرائش  ذات لحظة خاطفة لا أتذكر من تفاصيلها الا أنه أكبر سنا من ما توقعت، ومرد ذلك أن الحديث عنه كان ومازال عشق الأدباء الشباب- خاصة كتابه الزرافة المشتعلة -حتى ظننت انه واحد منه وهو -فعلا -من حيث اهتمامه بالأدباء الشباب وتواضعه ومن حيث اهتمام الأدباء الشباب به كأنه  واحد منهم، ثم رأيته بمدينة الحسيمة وبمدينة الرباط كما رأيته بمشرع بلقصيري …وإذا أردت تحديد الأماكن التي يتحرك فيها من أجل القصة وهمومها أجدها  أوسع من محور الرباط الدار البيضاء، بل قد تمتد إلى زاكورة ، وتعبر قلعة السراغنة وشيشاوة لتعود إلى مجموعة البحث في القصة القصيرة أو ليعود بالقصة إلى سريره، أليس هو الذي قال في البور تريه المنشور له في جريدة الأحداث المغربية  انه يفضل الكتابة في السرير، هي إذن أماكن متواضعة بالمقياس إياه مادام ليس فيها بهرجة المهرجانات الرسمية ولا صحافة من النوع الذي تجعل من الحبة قبة ويقزم القبة في حبة.
بالمختصر المفيد يظل أحمد بوزفور يقيم  في مدينة القصة عندما ينتقل إلى أي مدينة أخرى ومقيما فيها إلى الأبد رغم أن الرأي الثقافي ظل والى وقت فريب ينظر إليها كجنس أدبي يليق بالمبتدئين أو كقنطرة للعبور إلى كتابة الرواية،وهو يقيم فيها  رغم قدرته على الإبداع في أكثر من مجال كأن يتأبط شعرا أو نقدا ، ويقيم فيها سواء حين يكتبها كاتب كبير مثل محمد زفزاف أو كاتب شاب مثل  أحمد شكر أو حنان الدرقاوي دون أي تفرقة  من حيث درجة العشق والاهتمام ..
ولأنه  يقيم في مدينة القصة فهو  لا   يهتم  بما عداها، وفي غنى عن أي شهادة سكنى سواء في شكل جائزة أو تكريم رسمي ، وهو  لايهتم حتى بصفة الكاتب وكأن ليس بينه وبين الكتابة الا الخير ! وهو بالمعنى الإيجابي لهذا المثل  فعلا كذلك، لهذا تراه يفضل أن لا تدل صوره على صفة الكاتب حتى في موقع الكاتب بالانترنيت، وعوض أن يظهر في صورة بالمكتب أو ممسكا بكتاب ما أو يتكلم أمام ميكرفون ما كما جرت العادة يظهر  متلفعا بعباءة صحراوية أو واقفا وسط أشجار النخيل بواحة وارفة أو قرب شلال تماما كما يليق بسندباد الحكايات ! مثلما لايهمه أن يكون الذين معه في الصور من أصحاب الانتماء الرسمي للثقافة أو الشهرة الثقافية الذائعة ، انه يصر على الظهور في موقع الكاتب رفقة أشخاص ليس بينهم وبين الثقافة غير الخير، ولكنهم  أحبوا النظر في وجهه العزيز على غير المعتاد، ومتى كان في سلوك أحمد بوزفور شيء من ما هو معتاد؟ ! انه دائما ينحت لإبداعه ملامح متفردة ويعيش حياته بملامح متفردة، ليظل القاسم المشترك بين بوزفور الكاتب وبوزفور الإنسان هو التفرد، ورفقة هذا التفرد يقيم  في  شقة القصة بعمارة القصة في  مدينة القصة. 

 

    أحمد بوزفور ناقدا.. الناقد في  جبة المبدع

د عبدالعاطي الزياني

 

أحمد بوزفور : ناقدا للشعر القديم

 

حين يذكر احمد بوزفور ينصرف الناس بأذهانهم نحو عمارته الإبداعية وخصوصا جنس القصة القصيرة، التي بذل لأجلها أحشاءه وكبده، كي يبقي لها  دهشتها الواسعة ووهجها المتقد، محترفا الألفة والصيد في الأقاصي والخوافي والدواهي  من ملمات الذات والوطن والكتابة وسؤال الإبداع ، رغم أنه ظل ينشر أدبه العالي بحذر المتحوط من الإسهال، ولم يتجاوز في عمره القصصي الذي يربو على الأربعين عاما أكثر من أربع مجموعات في فترات متباعدة وهي:
 النظر في الوجه العزيز   - الظاهر و الغابر    -  صياد النعام  -  ققنس
وظلت جميعها تسيل مداد النقد في المغرب وخارجه ، لأن هويتها السردية اختارت الاختلاف، وأصرت على مكر الطرح الفني  ومفارقاته في أقصى الوحشة  عن ظهر قلب وقلم..
فضلا عن  الذي أسلفنا إليه يمتلك أحمد بوزفور وجها معرفيا ونقديا آخر، يعكس أستاذيته ومراسه الأكاديمي  بالنصوص وتحولاتها وأسرارها. حيث أصدر كتابين  نقديين، يتعلق الأول  بقراءة  نقدية لشعر تأبط شرا، وهي في الأصل رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا .
 والكتاب الثاني الزرافة المشتعلة التي تضم نصوصه النقدية في القصة القصيرة وتنظيراته لها، فضلا عن قراءاته لمجموعات قصصية عاصره أصحابها،  وكذا حواراته  مع ثلة من القصاصين الشباب.

 

 ---أحمد بوزفور ناقد الشعر العربي القديم


1-  جهاز القراءة في كتاب طتأبط شعرا" 1
توسل احمد بوزفور في قراءته لعالم تأبط شرا الشعري جهازا جماليا استقى ذخيرته من مظان منهجية شتى، من الأسلوبية ومناهج التحليل اللساني في التمييز بين المستويات  وتفكيك عناصرها ومناهج التحليل البنيوي  للنصوص من أجل ضبط شبكة  العلاقات الرابطة  بين العناصر والمستويات. معدلا أدواته المنجية فاتحا  متن الشاعر  قصد فهمه مستفيدا  من " كتب الاختصاص  العربية وعلمائها الكبار كابن جني وحازم وابن منظور في المستوى الصوتي و المعجمي .. وكعبد القهار في المستوى التركيبي  وكالجاحظ في المستوى الدلالين واستعنت على فهم الخلفية الجغرافية والاجتماعية  والأسطورية بمعاجم البلدان  وكتب التاريخ والأنساب والعادات والأساطير ." 2  
ويقع الكتاب  الذي صدر عام 1990 في  مائتي صفحة  من القطع المتوسط، وقد اقتضت قضاياه وظواهره تقسيمه على أربعة فصول  ممهدة بمدخل  يبسط أهمية  الشعر الجاهلي  و قيمته الفنية  في الأدب العربي  والثقافة العربية، إذ هو الجذر الذي يسري في  نسغ مختلف الخطابات  والنصوص  على مستوى الخيال  واللغة، ويمثل الهوية النموذجية للذاكرة العربية، لينهي  كتابه  بخاتمة  مركزة تناقش طبيعة دراسته تلك القائمة على أساس الشعرية  الثاوية  في شعر تأبط شرا لا على  قضايا  تاريخ الأدب  والمرتكزة على تحليل المتن  والحفر في ثناياه  بوصفه جنسا  أدبيا ذا نزوع  فني خاص .
وقد بدأ في استكشاف  جمالية الشعر عند تأبط شرا  من المدخل الإيقاعي،  فرأى  إليه من بعده السمعي، فقد بدأ الشعر إنشادا يمتلك طاقة صوتية هكذا كان التكرار، الذي يشمل جرس الحروف والقافية والوزن والتنوع.
فاكتشف بواسطة التكرار  أن جمالية الشعر لديه تنبني على تكرار الحروف المتواترة من خلال حروف بعينيها،  وتنوع الموقع الصوتي  لها أو تنوع  حروف مختلفة الوقع.
 في حين أن تكرار الكلمات يتميز بالتناظر بين العام  والخاص  والمبهم والمحدد . ذلك أن التكرار بالنظر إلى العلاقة بين الدال والمدلول  قد يتكون متطابقا  أو جناسا ذاتيا أو استبداليا.
أما رؤيته المنهجية للقافية في المستوى الإيقاعي  فقد بدأ في بسط عناصرها عند الخليل  وحازم القرطاجني والأخفش  والفراء  والكوفي أبو موسى، فحصر قافية الصوائت و قافية الصوامت في ديوان الشاعر،  محددا أنواعها فقرر أن القافية في"  شعر تأبط شرا لا تقتصر على التكرار ( اللازم ) في أواخر الأبيات لحروف الروي وحركات القافية، بل يتسع مداها الصوتي  ويتنوع بأجراس داخلية أخرى " 3–
ومنها التصريع رغم أنه لم يصرع في نصوص ديوانه الستة  والأربعين المطلع إلا أربعة منها.
 ما يفسر انه لم يسر على نهج الشعراء الجاهليين  إحساسا منه أن ما تجيش به نفسه من ثورة يلزم أن يظهر على أشعاره، رغم أن الخصائص  الفنية في الإيقاع  والتركيب والدلالة  في شعره تضعه في قلب دائرة التقاليد الفنية الجاهلية.
أما الوزن فتواتره في شعر تأبط شرا يمس ستة أبحر ( الطويل – الوافر – الكامل -  البسيط  - المتقارب – الرجز.)  مع هيمنة مطلقة للبحر الطويل الذي استأثر بست وعشرين قصيدة.
 كما انتبه  بحس جمالي دقيق  إلى أن المستوى الإيقاعي – الصوتي  لا ينبني وفقط على التكرار رغم وظائفه المتمثلة في إثارة الجو الأسطوري  والربط والتماسك في البناء ، بل إن رتابته الآلية لو أصبحت كذلك مكررة لهيمنت الرتابة واضمحل الإيقاع، وكذلك نطالع المستوى الصوتي  عند تأبط شرا كما يرى بوزفور  يقوم على  موازاة التكرار بالتنوع، فاكتشف التنوع في  جرس الحروف في وصف الأصوات  بين مجهور ومهموس وفي المقاطع، كما  رصد التنوع في القافية بين القوافي الداخلية والخارجية وحروف الروي وصيغة القافية.  ثم ختم الفصل الأول بالتساؤل حول حقيقة وجود بنية قائمة التجديد في إيقاع شعر تأبط شرا فما يهيمن في جرس الحروف هو روي اللام ما يدعو لطرح أسئلة حول :

1- وظيفة روي اللام ودلالته
ولذلك ينهض إشكال ربط حرف روي معين وشاعر معين فنقول( لام الشنفرى وميم عنترة وراء النابغة  وباء علقمة ودال عبيد ) وهي الحروف الغالبة على روي هؤلاء الشعراء  في دواوينهم ويكتشف بوزفور أن اللام صوت منحرف  ليس انفجاريا شديدا ولا احتكاكيا رخوا.
صائت الكسر : اكتشف هيمنتها حيث انتبه إلى عراقة استعمالها عند قبائل  بعينها ، رغم أن أهل الحجاز لا يميلون، فخلص إلى أن  الكسر / الإمالة  عنصر مشحون بالطاقة الفنية والنفسية معا.


2- البحر الطويل ينسجم مع هيمنة البحور المركبة  في الشعر الجاهلي .
وفي الفصل الثاني قارب المستوى المعجمي  وعيا منه بموقع المعجم في مستويات اللغة كالفونيم فالكلمة  والجملة واللغة الشعرية خاصة( الإيقاع والتركيب والدلالة) وسعى لحصر تردد الكلمات الأساسية ومرادفاتها وما يجعلها موضوعاتmots/theme أو مفاتيحmots-clefs قصد رصد الحقول الدلالية واكتشاف الموضوعات الملحة.
 فقد استخرج من معجم مفهرس لألفاظ تأبط شرا الموضوع / الهاجس المتميز عن باقي الموضوعات بكثافة التواتر ووضع جدولا لذلك التواتر.
كما وضع  فهرسا للقبائل والأعلام والأمكنة، و قارب من المنطلق نفسه المستوى المعجمي بقراءة ركزت على بنية الكلمة في المعجم،وبينة الاسم العلم والوظيفة الشعرية للموضوع/ الهاجس. 4
وتتعلق الفهارس  بخصوصيات الخطاب وبيئته العصرية والشاعر  فخلص إلى أن معجم تأبط شرا يتميز برغبة ملحة في عدم الاستقرار ، حيث إنه ملتفت أبدا ومتنقل أبدا، مزدوج أبدا، ويطغى باستمرار الموضوع / الهاجس( الجري /العدو / النجاء)  إننا نحس كل شيء يعدو الضباع  والنعام والخيل  والطير  والحرباء والطيف حيث إنه لا يستقر دائم الحركة.
وفي الفصل الثالث تناول البنية التركيبية فتطرق إلى  الأشكال المختلفة لمفهوم التركيب، فوسع من مفهومه وأغناه كما هو متعارف عليه في الدراسات الأكاديمية للشعر. فقارب في التركيب النحوي صياغة الجملة من حيث عناصرها وترتيبها والعلاقات الناجمة عن هذا التركيب، فاكتشف صيغة حضور الضمائر والأفعال و أنواع الجمل وصلة هذه الاختيارات اللغوية بالضرورة الشعرية التي رأى إليها  من جانب النحو باعتبارها خروجا لتأبط شرا على الاستعمال  المطرد في اللغة بما  هو اضطرار  أو عجز "في مقابل وجهة النظر الأسلوبية التي تعتبر الضرورة أقوى مظهر  للإرادة الشعرية، وفيها تتجلى روح الأديب وفرديته، وبها يظهر  المعنى الذي يدور عليه  النص الأدبي باعتباره كلا متكاملا.وإذا كان هناك معنى ينبغي أن تؤخذ عليه الضرورة " 5
ويختم فصلة بالتأكيد على أن التركيب النحوي في شعر تأبط شرا، يتميز بالمزج والتحويل: مزج الضمائر بالأزمنة وأنواع الجمل، وتحويل بعضها إلى بعض وتضمين بعضها بعضا.
 ويتميز بمناخ القلق والتردد والشك الذي يفرزه استعمال خاص للأدوات ويتميز بالخروج الشعري عن النظام اللغوي كما قعده  النحاة، أي أنه بشكل عام يتميز بالحركة المستمرة بين الأطراف على صعيدي النحو والدلالة معا"6
وفيما يتصل بالتركيب البلاغي بادر الباحث إلى فحص اشتغال الصورة الفنية فأخرجها من التناول السائد الذي ظل يقصرها على التشبيه والاستعارة، فأوضح أن الصورة اليوم تغتني بالخيال كي نرتقي إلى أن تكون علاقته- كي تخلق إدراكا خاصا للشيء- بين  عناصر العالم المتخيل في الخطاب الشعري تتميز في شعر تأبط شرا ب :


1- تقابل طرفيها : العلاقة الغالبة بين  أطراف الصور الشعرية في ديوان تأبط شرا هي التقابل (كالتشبيه والاستعارة والطباق والتجاور أحيانا كالمجاز والصور الواصفة  والكناية)
2- نمطية الصورة
وتتميز خارطة الصور الشعرية في ديوان تأبط بنوع من الصور يمكن أن يمكن أن نسميها " الصور المفاتيح " وهي تلك الصور التي تتكرر أطرافها أيا كانت العلاقة بين هذه الأطراف تقابلا أو تجاورا"7
ومنها مثلا صورة الموت / الإنسان و الموت / الضاحك وصورة الإنسان  / الوحش وصورة الغول/ الوحش يقول بوزفور : " إن الإنسان في الصور يسكن الجاهلية يسكن المشبه غالبا، بينما تسكن الطبيعة وحيواناتها المشبه به" 8
وكذلك يفعل تأبط شرا، وقد قاد بحث بوزفور عن الصورة البلاغية إلى اكتشاف سمات أخرى للصور في شعر الشاعر منها:
- وظيفية الصورة : ومن ميزاتها حذف الموصوف والاكتفاء بالصفة.
- صوتية الصورة: أو التصوير بالصوت، ويتجلى في الصورة السمعية والتجنيس والرمزية الصوتية.
- حركية الصورة: أو التعبير بالحركة وفي ذلك يقول  بوزفور:" يبث تأبط شرا الحركة في كل ما يبدع من صور، إلى الحد الذي تصبح معه هذه الحركة دالا آخر، يدعم الدال الأيقوني للصوت ، والدال الاعتباطي للوضع، في الإحاطة بالمدلول وإبلاغه والإيحاء به"9
وقد تلقى الشعراء بعده في العصر الأموي كثيرا من بلاغته وصيغ استثمار الصور البلاغية.
وفي التركيب الشكلي حاول الباحث  الاقتراب من دينامية الشكل في شعر تأبط شرا وتفاعل عناصره منطلقا من مسارين متعادلين  الأطراف هما:
وحدة التنوع وتنوع الوحدة: إذ كان وكده الوفاء للهوية الداخلية من جهة ولصيغته الخارجية ذات الصلة بالمحيط الخارجين، وهي المفسرة لحركية الشكل  وتفاعل عناصره.
ففيما يتعلق بوحدة التنوع رصد  الباحث ثنائية البيت والقصيدة، فاكتشف الوضع الاعتباري للبيت من حيث استقلاله، وهو ما ترتب عنه :
تفشي الإقواء في الشعر القديم.
الاحتفاء بالأبيات المفردة ( سوائر الأمثال )
غير أن هذا الطرح  يصطدم بالتضمين من جهة ، وإشكال الشاهد الذي يتم تلقيه من خلال المنظور اللغوي  والنحوي.
 ثم انتقل إلى  ثنائية  المقطوعة / القصيدة حيث سعى إلى اكتشاف صيغة إبداع المقطوعة ووصف ممتلكاتها  الدلالية والدالية من حيث عدد الأبيات والموضوع وخطابها والشعري، التي تتراوح في شعر تأبط بين الكثافة والعمق والشمولية والتعدد في مستويات الصور والإيقاع والنفس الشعري.
غير أنه يذهب إلى أن المقطوعات أنواع فمنها الجزئية  والمرهصة والصغيرة الحجم ما يجعل أن بعض المقطوعات ما هي إلا قصائد منقطعة أضاعت درها.
 أما  فيما يتعلق بالقصيدة فإن الباحث يرى أنها تتعلق ب:
التنوع على مستوى الفضاءات  والتعدد في الموضوعات.
والدينامية المفضية والفعل والانفعال في الفضاءات.
 التفاعل  بين الصور والموضوعات.
كما يطغى فيها على غرار غيرها حافز يتخذ أشكالا مختلفة: الجري والنجاء والهرب ،المرتبطة بتواصله مع عالمه المر( الصعلكة) ،التي تعبر عن ثقافة وقيم وثقافة وقيم وتصور جاهلي للعالم.
أما المسار الثاني المتعلق بتنوع الوحدة فقد انصب بحثه على نقطتين أساسيتين. ترتبط الأولى ب:
أ -  القصيدة والشاعر: تكشف القصيدة المفضلية لتأبط شرا عن صلتها بغيرها من قصائده، وهو ما يمكن أن نسميه بشعرية تأبط شرا، التي تضمر بنى وقوانين فنية تكمن في خلفية كل نص وتنتجه" 10
ويوضح الباحث أن أمر تفسيره يتم من خلال:
قانون مركزية  الذات:
 ما يعني حضور ضمير المتكلم عاملا بانيا مهيمنا في ذلك و إدخال الاسم العلم للشاعر في القصيدة  المتحاور مع الضمير أو الأسماء المستعارة له  أو اللقب.
1- قانون القفر: الشاعر وباستمرار أليف القفر وأنيس اليعافير والغيلان والضباع والنعام.
2- قانون العدو:
يقول الشنفرى :
             لاشيء أسرع مني ليس ذا عذر*****    وذا جناح بجنب الريد خفاق
هذا العداء الأسطوري هو تأبط شرا، إذ كل الموجودات في شعره التي تشاطره ألم الصحراء  والخصاصة تعدو: الأركان والأطياف ، في حين ترتبط الثانية ب :
ب -  القصيدة والعصر
فاكتشف أن القصيدة في شعر تأبط شرا تتواشج بصلات خارج نصية مع الشعر الجاهلي، وكانت هذه الفكرة دافعا للتفكير في توسيع تلك الصلات بين القريض الجاهلي ، غير أن مشاق عمل كهذا  فوق طاقة الباحث، فاكتفى بالصلات التالية التي تشده إلى قرنائه الصعاليك:
موضوعة النعل التي تمثل وسيلة أساسية في تجربة الهرب والنجاء، ولشعراء الصعاليك ومنهم الشنفرى أبيات في هذا، ما جعل الباحث يتساءل :
هل النعل هي ناقة الصعاليك؟
فضلا عن موضوعة العدو التي مرت معنا سلفا أهميتها ودورها في حياته اليومية.
أما على مستوى التفاعل النصي بينه وبين غيره، فقد اختار الباحث مقارنة القافية المفضلية  لتأبط شرا:  
 يا عيد مالك من شوق وإيـــــراق   ********* ومرِّ طيف على الأهوال طراق
          يسري على الأين والحيات محتفيا   ********* نفسي فداؤك من سار على ساق
مع قصيدة  الشماخ بن ضرار في مدح الألوسي:
       ماذا  يهيجك من ذكر ابنة الراقي ***********   إذ لا تزال على هم وإشفاق
     قامت تريك أثيث النبت منســــــدلا  **********    مثل الأساود قد مسحن بالفاق
فاكتشف العلاقات الجزئية بين القصيدتين:
- القافية والروي
وقع الحافر على الحافر في أبيات متماثلة على المستوى الوجداني والثناء على الإنسان المثالي وبروز صورة ضمير المتكلم
تعدد الفضاءات وتفاعلها في خضوع ظاهر لهيمنة عامل بانٍ.
وخلص في الأخير إلى أن الشكل عند تأبط شرا ليس تعبيرا فرديا عن تجربة خاصة بقدر ما هو تحقيق وإنجاز لنظام بنائي جاهلي يكمن في قرارة أغلب القصائد الجاهلية الكبرى" 11
وسعى البحث في الفصل الرابع إلى مقاربة بنية العالم المتخيل لدى الشاعر مشيرا من خلال رصد التصورات والأفكار والقيم التي يصدر عنها الشاعر بشعور أو بدون شعور، إذ لا يكفي الوقوف عند المستويات الصوتية و اللغوية ، بل لا مندوحة من إدراك عالم تأبط شرا الشعري من خلال  الكشف عن بنية المتخيل الذي تنسجه مستويات التحليل الآنفة ( التركيب – الإيقاع – المعجم ..)  ومن المرجعية الثقافية التي تصدر عنها ، وقد اهتدى الباحث إلى وصف العالم المتخيل للشاعر من خلال المداخل التالية :  الماضوي – الغيبي   - الجسدي – الشفوي  -  الحركي  - الجماعي.
** فالعنصر» الماضوي : «
يعكس صلة تأبط شرا بالماضي بكل رموزه، إذ هو أفقه وحلمه ومثله الأعلى الذي ينشده، فصورته الفنية مشدودة بعبق الماضي ومتشبعة بسيرة الأشياء، ذلك أن  القصيدة وبمجمل أغراضها تفتخر بما كان وبما تم،  أو نحو التأسي بما سيصبح عليه حاضره حين يعود ماضيا. وجدير بالذكر أن الماضوية تكاد تكون ملمحا ثقافيا من ملامح الشعر الجاهلي ككل حيث يتسم بجزر مزدوج:
جزر القارئ الذي يعود به النص إلى ما ض ثقافي.
  جزر الشاعر نفسه الذي يفتتح قيدته غالبا بعنصر آني  حاضر سلبي:
( الأطلال- الفراق- الشيب... الخ) ثم ينحسر إلى الماضي الإيجابي ليغرف منه المتع والحياة"12سأسيأ

ولعل التصور الفطري للشاعر الجاهلي للحياة والموت هو ما يربط الشعراء وجدانيا بالماضي، ولذلك لم يكن الشعر الجاهلي يعبر عن عصره بقدر ما كان يعبر عن احتجاج المنسحبين من عصره، إنه شعر الغروب لذلك يمجد أيام كانت حدود  الحرية أوسع ، ويستشهد بيت لأوس بن حجر:
إذ الناس ناس والزمان بعزة    *****   وإذ أم عمار صديق مساعف
**أما العنصر » الغيبي  «:
ويتمثل في الغول / ابنة الجن التي تمثل جانبا خفيا يتلبس بالشاعر حال رسوخه الحر في عالم الصحراء وحيدا لا أنيس له وكلما استوحش أو بدا رأى ما لا يرى، وتوهم الصغير في صورة الكبير وارتاب ، فبرز هذا الإحساس الغيبي المضاد للمجتمع والمقترن بالوحدة والبداوة، وكان يحضر عند الشعراء الذين يرون ملا يرى، وقد تعامل معه الباحث من خلال ثلاثة أشكال:
الغول اللغوية: وتتعلق بمختلف الاشتقاقات من [ غال] ووجد لها بروزا عند غيره من الشعراء في العصر الجاهلي.
 الغول العبقرية: ينسب إلى الجن وإليه ينسب الشعر، كل شعر جميل ودقيق ولطيف
وعبقري،وليس هذا بغريب ماداموا يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر.
وقد أنتج الخيال العربي الغول ولكنها تعود فتنتجه: يتيح له عالم الغول الغامض والمتنوع والمختلف وإنتاج ألوان من السرد تتفاعل وتتكامل، وكذلك كان تأبط شرا يصدر في شعره ويشتغل بموضوعة الغول.
** أما العنصر » الجسدي  «:
فقد امتاز تأبط شرا على غرار شعراء الجاهلية في التقاط الجسد من المخيال الصحراوي بسبب الوجود القاسي( الصيف ) والشروط الاجتماعية( الحرب ) والخيار الذاتي ( الفقر والصعلكة )  حيث يشتغل على  عناصر الزمن لينسج جسد الأفكار والمواقف، حيث تفاصيل الجسد إطار ينبئ عن صور الذات والأشياء واحتفال الحواس كلها بحركة حياة شاملة" كل ذلك تلتقطه في الشعر الجاهلي عين قوية دقيقة طفلة شبقة، وتدخله الوجود الشعري فاعلا  في الحواس قوي الحضور في الوجدان يقطر متعة ويذوب صفاء"13
ليخلص إلى أن الجسد عند الشاعر رمز للخصوبة والاستقرار للمقيم والخصوبة والحركة لعناصر الكون المتوترة.
**   أما العنصر » الشفوي  «:
الشفوية جزء من الشعرية الجاهلية، حيث السياق شفوي يرتبط باللسان إنشادا وأصواتا، ولذلك لا غرو أن تنتشر في الشعر الجاهلي الأقوال والحوارات وصدى الدوي، ولذلك نرى عبر شواهد البحث كيف يعبر الشاعر بلغته عن حركة الأصوات والأقوال بين الشاعر وغيره، أو حتى حين يجرد من نفسه ضميرا فيخاطبها.
  ** أما العنصر » الجماعي  «:
  اكتشف الباحث أن ثمة صورتين متباينتين للنموذج الإنساني، تشتغلان في عالم تأبط شرا الشعري:
صورة الإنسان الذي يتعسف الشعاب في الليل وحيدا دون حاجة إلى دليل، الذي يعاشر الوحوش هاربا من الناس أحبابا و أعداء.
هذا الرجل الوحش ليس اجتماعيا وليس حتى إنسانيا، ولكنه مع ذلك قوي في وحشته، نبيل في وحدته.
صورة الإنسان المرتبط بالناس من حوله في كل  المستويات الاجتماعية فنراه يأنس بالناس (رفاق أقارب وبني قومه  » فهم  «وأبناء عمومته  » عدوان  «ويوضح البحث التاريخي أن تأبط شرا رسم صورة أخرى له هي صورة " العربي العزيز في قومه، والعزيز بهم، والاجتماعي الذي يصل الأرحام ويحفظها. والرفيق الذي ينقذ رفاقه إذا حوصروا، ويأسى لفقدهم إذا صرعوا. وهي صورة تختلف- كما يبدو– عن صورته الأولى: صورة الرجل الجحيش/المنفرد/الوحش"14
غير أن واقع الصعلكة كما استشهد الباحث برأي الدكتور يوسف خليف يضعنا أمام اختيار الشعراء الصعاليك التخلص من الشخصية  القبلية في شعرهم داخل دائرة داخل دائرة الصعلكة كما تخلصوا منها في حياتهم، ومثلما كانوا شخصية فنية شاذة في الشعر الجاهلي كانوا أيضا شخصية اجتماعية شاذة في حياتهم، ويخلص الباحث إلى أن الشاعر الجاهلي منتم، ولكن إلى أسمى وأنبل ما في عشيرته وفي القيم الجماعية، التي يفزع إليها كل أحد وقتئذ فردا أو جماعة.
 **  أما العنصر » الحركي  «:
 لقد ساهم هذا المكون في بناء متخيل الشاعر، حيث ضمير المتكلم  يعدو في كل الاتجاهات شعرا وهربا من بجيلة أو من الأزد، حيث قوته في قدمه. وهي حركة خصبة لأنها حركة ثأر( روحا وعقلا وجسما ) ما يعني سرعة القرار وسرعة الفعل، ولعل اختلاج شعره بالحركة في كل المستويات معادل لحركة الأشياء والإنسان المطلقة في العصر الجاهلي:
حيث نطالع الإيقاع في تكراره  والتنوع ومعجم الجري، و القبيلة والخيمة والمرأة .أمكنة قابلة للحركة واللقاء والفراق حلفا وسفرا وغدرا  وصدا، ومثلها نرى المياه والدارات والديار قابلة للحركة. فقد مجدوا المكان المتحرك( الناقة والفرس ) .وعلى المستوى الفني مثل الباحث للحركية من خلال بناء القصيدة، حيث ينتقل الشاعر من غرض لأخر كأن القصيدة رحلة تغير من الطلل إلى الناقة  والشعاب والمياه والحيوانات إلى مواقع الحروب والنزال إلى المصارع والضباع والقبور والهام.
وفي خاتمة الكتاب نص الباحث أحمد بوزفور أن الدراسة مقصورة على النصوص الشعرية، لا القضايا أو الأفكار مهتبلا المتن ومجتنبا الأفكار المسبقة، حيث واجه نصوص الشاعر الذي ظل غفلا من النظر النقدي قديما وحديثا، فانتهى إلى :
ثبوت إمكان قراءة الشعر الجاهلي بوصفه شعرا تام الانتماء والتجنيس، لا باعتباره وثيقة تاريخية أو لغوية أو اجتماعية، إذ رغم فائدة هذا النوع من القراءات فضرره كان أكثر، لأنه أشاع أفكارا خاطئة عن الرتابة والجزئية والتفكك في الشعر الجاهلي، ولذلك فحين انكبت الدراسة على نصوص جاهلية محددة، وسبرت أغوارها طبقة بعد طبقة ومستوى بعد مستوى، فقد وقفت على القيم الفنية ومنابع المتعة المتخيلة ما يجعلها تقف ندا للنماذج الشعرية الإنسانية في مختلف العصور.
تصحيح التصور الشائع عن تمرد الشعراء الصعاليك على الجماعة في كل شيء، وحياة وأفكارا وإبداعا شعريا. والثابت أن اختلافهم عن قبيلتهم إنما في القيم والتصورات ونمط الإبداع الشعر، وهذا ليس بدعا من شعراء عصرهم والإنسانية.
إعلاء صورة تأبط شرا العداء الشاعر: عداء قلق متردد في الإيقاع والمعجم والتركيب. ومن ثم تساءل عن : - القيمة التاريخية لأخبار الشعراء الجاهليين في كتب الأدب القديم
- القيمة الفنية: لها باعتبارها نصوصا إبداعية وسردية حافلة بالمجال(أخبار تأبط شرا في كتاب الأغاني).
ثبوت الاختلاف العميق بين علوم الآلة والإنجاز الشعري.
فتح آفاق جديدة للقراءة متعددة الدلالة أفقيا وعموديا وإمكانية بناء شعرية جاهلية ترصد القوانين المنتجة له.


أحمد بوزفور : ناقدا للسرد القصصي

 

 هل القصة زرافة مشتعلة؟
ذاك مسعى كان وكد احمد بوزفور إثباته بما  للقصة  من أحوال والملكات والطفولة والبحث والمغامرة والتأملات والتلويث والعمق والكبر والامتلاء والقلق واللغة والشك والعدوى والإرباك والاستفزاز والغواية وفوضى العالم وعناصر الخرق والعبث  والنشاز والنقص، إذ سعى لتبين معالم نظرية لعبية للقصة عموما والقصة المغربية تحديدا. جاء ذلك المرمى  من خلال كتابه الزرافة المشتعلة ( قراءات في القصة المغربية الحديثة )15 : الذي صدر عن منشورات المدارس للنشر والتوزيع عام 2000 بالبيضاء . وقد اقتضت قضاياه و مواضيعه تقسيمه على قسمين مسبوقين بتمهيد كما خصص الربع الأخير في الكتاب لحوارات مع حساسيات فنية جديدة لجيل القصة في تسعينات القرن العشرين..
لقد اضطلع التمهيد برسم معالم الكتاب وضروراته التي شجعت على نشره كقلة الدراسات في جنس القصة القصيرة، إذ هو فرصة تتيح تتبع تجربة أحمد بوزفور وتطورها وتواتر تجربة القصة ونبوغها، كما ألمح إلى مرامي مقالات الكتاب، المختلفة المداخل  والمتباينة الأبعاد المتجهة نحو بسط معالم نظرية قصصية محلية في القسم الأول من الكتاب المعنون ب على الطريق. نلمس في هذا القسم المكون من ثمان مقالات هاجس التنظير والتحديد والرصد الشمولي لمفهوم إجرائي للقصة المغربية، إذ حاول بسط عناصر رؤاه  و مساراتها، التي سعى إلى اجتراحها منذ مستهل السبعينات حتى اليوم، ولذلك فهذه المقالات رغم تفاوت أزمنة نشرها وتباعدها تكاد تتيح منظورا نسقيا  متحركا يمكن من تتبع  تجربة الكاتب  وتطورها.
فقد وضع اليد على مفاصل تجربته القصصية من خلال مقاله " مراحل تجربة قصصية " فانطلق متسائلا حول سبب اختياره للقصة القصيرة دون بقية الأجناس، فاهتدى إلى أن الأمر يعود إلى أن العالم كان دائما في تصوره حكايات، منذ الطفولة كان يعيش بأذنه، وقد قسم تجربته على ثلاث مراحل:


1- مرحلة النظر في الوجه العزيز
وقد ابرز فيه صيغة القصة  وانخراطها في الصراع الاجتماعي في سياق الجدل وقتئذ بين الانسياق  وبين التأسيس  لكتابة لها نسقها الجمالي الفني الجديد، فأو ضح بعد ذلك مصادر تجربته وتصورها المعتمد على :
أ – الخيال المساهم في إنتاج العجائبية  واللعب بعناصر الواقع الخارجي.
ب – الذاكرة أحفل بالحيوية .
ج – اللغة التي حرص المبدع على أن يجعلها تهتم بأدواتها وتصقلها، وتلجأ إلى الشعر كتقنية لخدمة السياق، والخروج بها عن مفهومها القديم- الحكاية – ومن لغتها القديمة- الإبلاغ –لكي تسلس الخشن وتشف الغامض.


2- مرحلة الغابر الظاهر
اعتمد في هذه المرحلة على  التراث الشعبي وعكست أثناءه قصته مسعاه في البحث  عن هوية بسبب الإحساس  بالاستلاب والقزمية أمام المؤسسات التي صنعها  الإنسان، رغم أن الحكايات الشعبية تمتلئ أيضا بالإحساس بالخوف  والضعف أمام المصنوعات الخيالية( الجن / الغيلان / البحار..)وطورت القصة  بنيانها ملامح خصوصيتها، كم اكتسبت صفة الحس والتحسيس ، ما يجعل أشياءها حية وطازجة. كما تلتقي تقنية التثغير ( تعميق دلالة النص وتوسيعها) مع تجويد البنية ، وقد امتصت بنيان التراث الشعبي  المتمثل في  التكرار و اللازمة  وصيغ البداية والنهاية.
 المرحلة الثالثة تتعلق بصياد النعام
وقد يسرت للنظرية القصصية أن تطور سؤال الكتابة الإبداعية حيث أضحت الكتابة تدور حول نفسها مماثلة عمل المرآة، وهو ما قادها إلى فضح لاشعورها، من منطلق تقني يلعب  بالكتابة وأوهام الناس عنها  لبناء نسق جمالي  مستدير يشع بالدلالة ،وأمر نظرية القصة التي تلوح من غائية هذا  الكتاب تجد نحو التجديد في هذه المرحلة والتطوير والاكتشاف وإشراك القارئ في الإبداع .
وتستقي النظرية الكثير من نظمها الجمالية من المثل بوصفه خطابا له صيغ توظيف متمايزة، ومن ثم فجماليته تتمثل في كونه:
فهو جزء من اللغة ، لمجرد دخوله الكتابة، مما يزيد دلالته اتساعا وغنى، ويمثل لهذا الأمر بتجربته الخاصة بقصة " الأعرج يتزوج" حيث الحاج الصامد الخير في مواجهة مع ابنه التاجر المهرب المطفف والخبيث، فيقول "النار تلد الرماد" فالأب نار ولود منجبة ونبيلة مشعة في حين الأب رماد خامد عقيم باهت وغبار.
المثل حياة الشخصية يدخل إلى القصة تلقائيا دون قصد.
تنتفع  نظرية القصة بدينامية المثل الذي يحيى في سياق حياتها، يتحول ويعيش بتغير الدلالة من جهة ويتغير الصيغة من جهة أخرى، أو هما معا، أو بتفكيكه نقضا ونقدا أو تحليلا حيث يصبح المثل موضوعا للكتابة لا أداة لها، فيصبح المثل سلاحا  وعجينة قابلة للتشكيل.
كما تغتني بوظائفه الفنية المتمثلة في :
الإيحاء بالحياة
التعبير عن الصمت.
اللعب على الدلالة المزدوجة في العناوين(صيام النعام – الغابر الظاهر ).
استغلال أدائه الصوتي.
 الصفة السيكولوجية محض ذاتية.
لوظائف سياسية.
هكذا يمكن المثل من الرفع من الأداء الفني للقصة مساهما بنسجها، فهو يدخل الخطاب الأدبي كما يدخل طفل روض الأطفال حيث يخرج من فردانيته، ويلتقي أطفالا آخرين، وحيث يلعب ويتعلم  وينمو ويتحول."16
وعزز تصورها النظري من خلال  النظرات النقدية في مسار القصة المغربية التي تعزز صورتها فقد اعتبرها طفلة الأدب  من سماتها صغر الحجم وقصره  ولكنها كبيرة من الداخل بأحلامها وطموحاتها باختزالها العالم بتمثلها لكل أجناس الأدب ولا شعوره إذ تحفل بما لا يقال.
 وهي طفلة الشخصيات بسبب ولع كتابها بالأطفال كشخصية أدبية على خشب القصة فيؤولون بطريقتهم الخاصة عالم الكبار الجاد والعابس والوقور، وفي كتابها شيء من الأطفال لأن  يتفاعلون مع المحيط، دون عقد حيث يأتون بشخصيات الهامش، القصة صوت من لا صوت له.
وسماها طفلة الفضاء حيث فضاؤها الطبيعة والمدينة والناس والأفكار، كل ذلك يخل مهتزا ومقلوبا عما هو عليه في الواقع، الكبير يصغر و الصغير يكبر، كما سماها طفلة اللغة لأنها تكتب لغة ناقصة وبجملة  غير كاملة الدلالة وتتلعثم وتسمي الأشياء  بأسماء غيرها شبيهة بوضعه و دهشتها الطفولية ، فالذاكرة إذن  هي محبرة القصة التي سماها الطفلة الخالدة لا تكبر ولا تموت أبدا تقضي  وقتها في اللعب وتقفز فوق الحواجز.، وقد تتعزز نظرية القصة بمجهوده النظري  المسمى نظرية التلويث، فالقصة من خلاله هي حالة من حالات التلويث رديفة الإبداع التجريب والتثوير والتثغير الذي يوصلها أعلى عليين كتابة عددها في كذا وكذا صفة تتواشج في :
القصة ضد الوضوح ولذلك تصيبه بالتأزم والقلق من القيم الزائفة والمواضعات الفاسدة.
القصة تخالف الفصاحة القاموسية وتخلق لغتها الإبداعية الخاصة
   هي ضد الجزم واليقين والحياد والدغدغة وترفض الوعظ.
القصة ترفض الصنمية  والنهايات المتفائلة  والحيل الفنية المكشوفة والمحجوبة وهذا ما يجعلها ترفض النموذج أيا كان.
القصة ترفض الواقع البشري بحيله وخبثه وتقف في وجه الناقد الذي يؤمن بسلطة المنهج.
وهي في اختياره ذلك تعادل ميلان المجتمع واعوجاجه، وامتلائه بكل الظواهر المرضية، وكل شيء مقلوب من ثم فلا طائل وراء الكتابة الأنيقة.
وقد تتبع الباحث أحمد بوزفور سمات القصة المغربية وسيرورة ملامحها وصيرورة تحولاتها  من خلال مقاله " الدخول إلى فريواطو قراءة في ملامح  القصة المغربية في السبعينات" فاكتشف أنها  اكتسبت نسقا داخليا تتمثل ملامحه في :  
1- الغوص في الذات الشخصية للكاتب حيث مستويات  الحلم واللاشعور، ويمكن رصده من خلال محورين هامين:
المحور الأول: الطفولة
حيث الكلمات عضة طرية بريئة ودخلت الطفولة في القصة كموضوعات وصور ورموز وحنين، وذاك رد فعل على التهميش الاجتماعي للكاتب طبقة وفئة ومهنة فردا.
المحور الثاني: الجنس
كان توظيف الجنس تعويضا عن الفشل الواقعي وعن الخيبات والرغبات المكتوبة، غير أن استثماره في القصة عاد إلى تصحيح النظرة إليه باعتباره عن تصور ذاتي وموضوعي ودخولا عميقا إلى الذات واستحضارا للكامن وموقفا من القهر والكبت.
2-    الدخول إلى الذات الجماعية  الثقافية:
العودة إلى البادية : الأصل الذي يمنح الأمان والشعور بالانتماء
التراث شخصيات يعبر بها عن تصور خاص للحاضر : أبو ذر طارق بن زياد فتصبح أكثر إثارة للدهشة.
الأدب الشعبي وفيه حكايات الجن والغيلان والأبطال وهي كنور الشمس كنز وملك جماعي نحس  فيها بالهوية قبل أن نحس بجماليات الفن، فالأدب الشعبي أدب الضعفاء والمقهورين.
3 -    الدخول إلى الذات اللغوية
شعرنة اللغة تتصل بالدخول إلى الذات والتصرف فيها كإبداع وامتلاكها بحرية، ولذلك تتعدد مستويات العامية بمزيد من التثغير.
1- الدخول إلى الذات الفنية:  ويتعلق الأمر بالدخول إلى القصة  من خلال :
- الخيانة : رفع الحدود بينها وبين بقية الأجناس الأدبية، فقد تتباين عناصرها في الحضور والغياب.
- المرآة: وتتمثل في نظر القصة إلى نفسها، قصة تحكي عن كيفية كتابة قصة أو قصة شخصيتها قصة أخرى.
ولاستيفاء نظرية القصة في التشكيل يتابع ظلوع الشعر في نسج بنياتها، فالقصة في رأي بوزفور جملة فنية، والشعر فيها شبكة من الضمائر العائدة المتصارعة فحاول مقاربة ذاك الاشتغال من خلال ثلاث زوايا:
 أ – الإيقاع الذي يتكئ على:
1- الميلودراما: ترديد الأصوات وتكرارها ولعلة الكلام كالأطفال.
2- الهارمونيا : توافق الوقفات والفواصل والأصوات المتجانسة.
ب – الإيحاء: يتيح الشعر في القصة ميلاد سعة الدلالة وشيوعها المتعدد واحتمالات التأويل لعناصر القصة  كصيغة الشخصيات الملتبسة الهوية أو بتكرار لازمة أو مكان عارض أو طرفة أو لمحة أو صدى كغيره أحفل بالسر وأخفى، كما يمكن أن تمتلك القصة تشكلا مضاعفا ذا طبقات فالقارئ ملزم بالغوص على المعنى بالغ الغور، ويتعقب غوايات القصة بلا هوادة ، كما أن تراسل الأجناس أدعى لبؤرة الإيحاء على التوالد والغور،ويخلص الكاتب أن حضور الشعر في القصة داع للمكر والشيطنة والخروج الصبياني عن  الأنظمة والولع المرضي بالفوضى  والنشاز والبناء الناقص، ذلك أن كمال القصة عنده هو توازن نقائصها.
تحتاج القصة التي استوت نظريتها أذرعا سبعة لها تجليات ووسائل حياة، إذ أن استمرارها قد يصل حدود المستحيل في غياب هذه الأذرع التي تمدها بماء الحياة وتيسر لها شروط الأمان في العيش، ولكنها قد تكون أحيانا أذرعا أو ذراعا يحجب بعضه بعضا، ما يسهم في تكريس أمن مبتور شبيه بالكساح.
فالذراع الإيديولوجية ذات حضور كثيف وتلقائي وعلني تتدخل بالمنع والإكراه، ولها نفوذ طاغ على باقي الأذرع حد إخفائها.
والذراع النقدية لها صلة بالجنس الأدبي والنصوص النماذج وإكراهات آفاق انتظارها.
ذراع القارئ تتكامل مع الذراع العائلية،إذ وإكراهات القارئ لها مطالب لا تختلف عن إلزامات العائلة للفرد، التي تسرق منه جوهر حياته وتكبح تحركاته، ولا تختلف الذراع السيكولوجية عن الذراع اللغوية في رقابة الوعيين معا رقابة ماكرة تتلون بألوان مختلفة على النص  وعلى الكاتب.
وقد تصيب ذراع الزمن الكتابة القصصية بلعبة انحدار الكتابة وموت العبقرية وانطفاء النجوم وبطغيان الضحالة وصعود السخافة .
ولذلك حق للكاتب أن يضرب عن الكتابة أمام هذه الأذرع الملزمة احتجاجا على كثرة الممنوعات، غير أن مجرد الوعي بهذه الأذرع خطوة نحو الإفلات.
تغتني نظرية القصة بقيمة المكان، حيث إن حضوره له تجليات تعكس رؤية المبدع له، فأبرز بعد استعراضه لمفهوم المكان في الإبداع المختلف والمتعدد فيه.
وترى نظرية القصة  أن المكان في الإبداع صورة حية تخلد الطبيعة والحركة الاجتماعية في الواقع هو رؤية المبدع وموقفه مما يراه.
وهو في النظرية حياة تنفلت من أيدينا حين نتحدث عنها مثل كل أشياء الحياة التي لانتذكر منها إلا المؤثر كالجهير من الأصوات من الأصوات أو الأبيض من الألوان ولون الفضيحة الأحمر، والمكان في الإبداع عيش ووعي الجسد الحي طبيعة، والإحساس به فن وحضارة
 وهو طبقي إذ هناك مكان سيد وأمكنة خدم تهيئ  له وتبرزه، وتعيش عواقب ظهوره بعد أن يغضب. فالمكان يصبح أبا يصبح جرما يصبح رمزا.
أما القسم الثاني من الكتاب فقد عنونه: عن الرفيق، إذ باشر فيه نصوصا  مغربية لكتاب كانوا على الطريق قبله، مثل محمد زفزاف ومحمد برادة وإدريس الخوري، ومنهم مجايليه كأحمد المديني وأحمد زيادي ومحمد الأشعري، ومنهم  اللاحقون كعبد النبي دشين، ومنهم من يتأهب للانطلاق كخديجة  اليونسي.
وقد حاول تبين الاشتغال السردي في بعده القصصي كما لاحق صورة الواقع وتجليه ونواحي الصنعة وطفرة الإبداع القصصيين، فقدم صورة لما يشبه النقد المنتج المجافي للنقد الإخواني أو المجاملات. كما أنه مارس اجتهادا ظاهرا خلص نصه النقدي من صرامة المنهج وعقمه مبسطا مفاهيمه،معددا مداخله النقدية لقراءة المجموعات.
فعند محمد زفزاف يرصد صورة الواقع في مجموعة الأقوى البشع، حيث الإنسان مسالم وبسيط تلجئه علاقة القهر المركبة إلى حافة الانفجار وأغلب الشخصيات من الطبقات المسحوقة مقموعة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا. مستعملا لغة ذات زي شعبي مشحون بالواقع مختزنة سخرية شفافة تترقرق في الوصف والحوار.
فإذا كان المواطن قد أعطى للسلطة كل ما يملك: لقمته وحريته وفرحه فإنه حين جاء إليها في القصة الأخيرة "المركز الصحي" يطلب منها خدمة بسيطة، هي مسؤولة عنها، احتقرته وخدعته بالحقن والأقراص  وطردته إلى خارج المركز الصحي ، ليموت تحت المطر  والبرد في المستنقع.
وفي مجموعة سلخ الجلد لمحمد برادة يبدو الواقع متجها من الخارج إلى الداخل في مراحل أربع:
مرحلة المجابهة: وتكمن في العوائق الطارئة، حيث التردد والاختلاف سمة الطبقات والأفراد  جميعا.
مرحلة الموجهة: وتجري بين المثقف والطبقات الشعبية مكتشفا حرارتها وصدقها وخرافتها ومفاسدها.
مرحلة التشريح: وتتعلق بالدخول إلى الذات للبحث عن العلة ليس بؤس الواقع الاجتماعي فقط، بل أيضا في العجز عن الحركة فيه، وقد سعى البحث للاقتراب من أسراره.
مرحلة الفرز: يتجه فيها الإبداع من الخارج إلى الذات لتشريحها  وفرز عناصرها، وفي السرد توق إلى الخروج  من الثقافة ودوائرها التجريدية إلى الواقع المحسوس. ويرى بوزفور ان المجموعة اتسمت ب:
1 – خضوع السرد للاقتباس  والتضمين واقعيا أو متخيلا ( الشعر / الآراء /الأقوال / الرسائل / الأمثال ..)
2 – الحركة الدائرية للسرد
الاتجاه من المجرد إلى المحسوس، التوق إلى البساطة، التوق، إلى الإحساس الجاد بالعالم
الاتجاه إلى الجماعة ،حيث الشخصية تخرج من عزلتها متجهة نحو الجماعة، ومثل ذلك بحال المعلم والرأس المقطوع.
وبنى قراءته لمجموعة إدريس الخوري ( مدينة التراب)  على ثلاث ملاحظات مختلفة.
فالملاحظة الأولى عامة ترتبط بالنقد القصصي الذي كان في أوله سجاليا منفعلا يرى صلتها بالواقع بمعايير لا علاقة لها بالكتابة رغم أنها كانت في بدايتها تبحث عن نسب، وبعد أن  ابتعد نهرها  عن المنابع وحفر المجرى وتعددت تياراته، ظهرت قراءات وصفية محايدة وباردة قراءة بالقفاز، دون إنطاق للنص، ويشدد على ضرورة تنوع النقد وتطوره واتساعه وإنصاته لنبض الإبداع أسوة بالقصة.
وفي الملاحظة الثانية انكب على عمل الخوري، فانتبه أن  قصصه تتسم بصفات فنية لعل أبرزها الخروج.
الخروج من البيت( اختيار فضاءات عامة )
الخروج من الطبقة ( الانتقال من وضع معيشي لآخر )
الخروج من الحال القصص حيث الانتقال من حال ميلودرامي  إلى نوع من الإبعاد البريختي
الخروج من قصة إلى مؤلف آخر.
"    "        "      " القارئ.
أما الملاحظة الخاصة وتتعلق بالجانب الغائب الحاضر وتتعلق لقصص الخوري :
   أ – الغائب الفوقي الضاغط أو السلطة.
   ب – الغائب التحتي المكبوت وهي الذات الفردية كصورة المرأة  والرجل والطفل.
ونخلص إلى أن القصص عند الخوري تضمر عجزا عن الفعل  عن الجن سعن التواصل ، ويوجد دائما مع هذا الضعف عزاء للحفاظ على تماسك الذات وعلاقتها بالآخرين وه والمكابرة، وتتمثل في السخرية.
 أما باروديا الحنين فقد استهدف بها اشتغال القصة عند المديني في مجموعته (رؤيا السيد سين ) حيث استهل بالتعريف بالكاتب ونشاطاته الثقافية ورصد ملامح الغلاف الجمالية، ليقترب من الشخصية القصصية كما يقترحها المديني  في هذه المجموعة.
فرصد الحنين  والشعور بالاشتياق الذي تضمره شخصياته إلى الماضي  الجميل إلى فضاءات عاشت فيها أو أشخاص معينين ومثل لذلك من قصصه وشخصياته ، مبرزا أن هذه السمة لها صلة بكتابات المديني الملأى بالقلق المستفز والإحساس العصبي المتوتر والانتقاد الساخر ثم انتقل إلى موضوعة التعبير القصصي ، فرأى الباحث أن الحنين يتم بانتقاد الحاضر لا استرجاع الماضي معتمدا قرائن فنية:
التكرار - والتعميم الأيديولوجي – فلتات اللسان- الانتقاد الصريح للعبارة المسكوكة- التساجع.
حيث اشتغل على المسافة بين الواقع المتخيل مشارفة حدود الجرجاني، ثم تساءل في الأخير عن ماهية السيد سين.
 أما في الإنجاز القصصي لأحمد زيادي المعنونة بالعصا من الوسط التي انصبت حول مجموعة خرائط بلا بحر
فقد سعى إلى رصد المكون الديني في انفتاحه وتسامحه ووداعته ومقاصده ثم المكون الوطني والمكون الاجتماعي القائم على تأمل الواقع عوض الانفعال.
 وعلى مستوى البناء الفني  استغلت المجموعة عددا من التقنيات منها:
التنسيب : ويتجلى إبراز نسب النص أو غرسه في بيئته.
التطفيل : جعل اللغة تتحدث عن الطفل أو إلى الطفل .
التقابل : بين طرفين أو موضوعين.
المراوحة  بين الشعري والحكائي : حيث تطغى أحيانا لغة شاعرية مكثفة، وأحيانا شفافة حاكية تتحدث عن الأطفال والعصافير، وكتبت بمهارة.
وفي إطار رصد مستويات التخييل في المجموعة القصصية" يوم صعب "  لمحمد الأشعري تتبع الباحث اشتغال المتخيل في ثلاث مستويات:
الواقع المتخيل: تنبت فيه الموجودات القصصية وتستمد نموها، إذ يخرج المتخيل من البادية .
الحلم المتخيل : يستكشف متخيل الأحلام في المجموعة القصصية .
الإبداع المتخيل : وفيه نرى أن الأشعري يفكر  بأشكال مختلفة في موضوع إبداعه أو مادته.
وتتواشج أنواع المتخيل تلك بعلاقة دقيقة ملتبسة، من مظاهرها:
مرارة السياق الذي ترصده المجموعة بجيل أزهر في الزنازين/،وواجه خصما قويا بطموح مثالي وأدوات ضعيفة.


القلق  والتبرم والضيق من المحيط.

تطريز المتخيل بروح شعرية عالية تسري في عروق النص، ولا عجب في ذلك فالقاص شاعر.
كما حاول تبين كيمياء التفاعل في مجموعة ع النبي دشين " رائحة الورس" بين قصص مجموعته  والمناخ الحداثي الذي تتنفس فيه، وتتميز بملامح فنية ،منها:
الإحساس الوجودي الدقيق بالمحيط.
لغة السرد التي اتكأت على العجائبية  والسينما وتفتيت السرد .
الطفولة الرافضة لعالم الكبار الذين يشربون من دموع الأطفال، ومن ثم فهي طفولة الخريف/ الغروب.
 وختم مقاله بثلاث أسئلة حول:
 طبيعة الصراع بين الشرق والغرب: هل القصة قادرة على التقاط هذا الأمر الأيديولوجي؟
 عن جدوى الاستعانة بالنصوص الموازية وتداعيات صلتها بالمتن وحدود التداخل والتخارج بينها وبين النص.
عن غريب اللغة و الحوشي من الكلمات التي جاء بها من المعجم القديم.
كما خص الأستاذ بوزفور طلبته بقراءة لنصوصهم، ولعل شيم البرق أول تلك النصوص حيث انطلق في حديثه من النظر إلى  الموضوع بتقسيم المقال إلى محورين:
القصة سرد:
فحاول التعريف بمفهوم السرد ومقارنا علاقته بالزمن من خلال :
كيف تتحكم اللغة في الزمن؟
كيف يتحكم الزمان في اللغة؟
ذلك أن اللغة في السرد القصصي تقع بين طرفين، يمكن أن نسميها بالسرد النثروي  والسرد الشعروي. 16
ومن آثار السرد النثروي مضاعفة الفصحى  وكذا مضاعفة الدلالة بالمرادفات غير الموظفة والخوف من البداية واستغباء القارئ وغير ذلك
القصة حرفة فقد اكتشف تقنيات حرفية في نصوص الطلبة قيد القراءة ومنها:
تقنيات  الإسقاط  واللون والحرف والعنوان وإسقاط الجدار الرابع.
وقد خص الباحث قصة فريدة التلميذة خديجة اليونسي بقراءة مفعم  بالتفاؤل بهذا الجديد الذي يشكل نموذجا لبعض ما جد في مجال القصة القصيرة من مداخل المستويات : ( الدلالي والرمزي والنصي) حيث لامس حدود الإبداع والجدة في اللغة والتقنيات التي صاغت بها قصتها تلك، فضلا عن إحكام البناء وربط الأجزاء بعضها ببعض، ولاشتغال على اللغة من خلال: استثمار عناصر الإيقاع والتكرار واللعب الوظيفي بتراتب عناصر الجملة وما يزال في القصة إمكانات قرائية أخرى.
ويتكون القسم الثالث من الكتاب من حوارات مع كتاب قصة شباب ظهروا في تسعينات القرن الماضي وقد أوضح في تقديمها لها  مبررات وجودها وأهميتها بالنسبة للمشهد القصصي.
هكذا حاول الأستاذ أحمد بوزفور القصاصين الآتية أسماؤهم:
عبد المجيد  جحفة ومصطفى جباري وسعيد منتسب وسعيد بوكرامي وعبد العالي بركات وعائشة موقيظ وعبد السلام الشرقاوي، وهم ثلة من القصاصين برعوا في مقتبل التسعينات أصواتا نوعية ذات فرادة وإضافة حقيقيتين للإبداع السردي العربي والمغربي خصوصا، وقد اختلفت الأسئلة التي طرحها على كل واحد من هؤلاء حسب طبيعة الصيغة التجريبية التي ينسج بها القاص حكايته، فالاتفاق تم فقط على قاعدة الانخراط في توسيع الهوة بين الدال  المدلول والرفع من الجمالية السردية للقصة، والإمعان في إعلاء سؤال الكتابة بكل الممكنات اللغوية والتخيلية، والتي لا تتعالى على شرطها التاريخي. مما جعل قصصهم في العمق تحترف الإنصاتَ للخلجات الدقيقة، وتَسَقَّطَ الهوامش والأقاصي، والمسكوت عنه. ورَصْدَ المفارقات واقتناصها.17
فتنوعت أسئلته لتطال دواعي الكتابة لدي القصاصين الشباب وبنيات القصة وتشكيلها فضلا عن صيغتها التي قد  تنحو جهة التهجين، فتصبح الأجناسية موضع سؤال حاد. كما طرح على بعضهم سؤالا حول مصير القصة ومآلها بعيد اتشاحها بسمات الشعر وجرعاته القوية، فقد تتحول قصيدة بزي نثري، كما لم يغفل تشغيل السخرية وتوظيفها لكسر جدية السرد وخطية الحوار، حيث يمكن أن تشتغل الميتاقصة بأدوات السخرية، ومادامت الكتابة دافعا ذاتيا في الغالب فإن المواضيع المثيرة لكاتب ما لابد و أن تكون مخالفة لغيرها عند قاص آخر، بسبب شرطه وسياقه. كما أن الأستاذ بوزفور سأل بوكرامي مثلا عن طبيعة علاقته بالموسيقى و صفة تأثيرها عليه.
لم ينس  أن يسأل عن المعاطف التي خرجوا منها ، إذ لا يمكن أن يأتي القاص من أرض خلاء كنبتة برية ، وكذا  النصوص التي أثرت فيهم ودفعتهم دفعا للكتابة، وهو ما يعني كيفية تواصل القصاصين مع مجالات قراءاتهم.
فضلا عن ذلك تناولت أسئلته صلة التخييل القصصي  بالوقائع الشخصية، وهو ما يبرر الحاجة إلى الكتابة وصلتها بالجسد .
وقد التفت بوزفور إلى صلة كثير منهم بالشخصيات التي يتم توظيفها، واللغة التي يكتبون بها وهيمنة تقنيات بعينها  على غيرها،وكثير من الأسئلة الشخصية الصلة الرفيعة بعوالم الكتابة  .
لقد جال بوزفور في حدائق سرد القصاصين الإبداعي، وقلب هويتها الكتابية ليتبين كثيرا من الأمور الفنية التي له ارتباط بين بعوالم الكتابة وخرائطها.
 لعل بوزفور  بكتابه الماتع هذا يكون قد أرسى صيغة منتجة في الكتابة النقدية ذات المزايا المتنوعة، فهو في الكتاب منظرا  القصة وناقد ا للقصة  ومحاورا مثقفا لثلة من المبدعين ذوي خصوصية إبداعية في المشهد القصصي.
وختاما لقد سعت هذه المداخلة رصد معالم الصفة النقدية والتنظرية في شخصية الكاتب أحمد بوزفور من خلال مؤلفين متباينني الهوية التأليفية، غير أن الثابت فيهما معا  هو صفة بوزفور الإبداعية  ومرونة نقده  أو أدواته، كذا عمق البعد المنهجي وإجرائية توظيفه في الكتابين معا..

 

د .عبد العاطي الزياني
ثانوية سيدي احمد بناصر زاكورة

 

إحالات 
بوزفور : تأبط شعرا
نفسه ص 13.
    3 - نفسه ص 36
      4 - نفسه ص 65
5- نفسه ص 111
6- نفسه ص 113 
7-   نفسه ص116
8 نفسه ص 118
9نفسه ص 122                          
10 نفسه ص 138
11- نفسه ص 141
12   نفسه ص 148
 13 – نفسه ص 159
14 نفسه ص 171
15 - الزرافة المشتعلة ( قراءات في القصة المغربية الحديثة منشورات المدارس للنشر والتوزيع عام 2000 بالبيضاء
16– نفسه ص – نفسه ص 173
17  - – عبد العاطي الزياني: القصة المغربية الجديدة مقال بكتاب أفروديت رقم 4 : مخاضات تجديد القصة القصيرة بالمغرب مراكش 2006ص45. 

 غرائبية الحلم في ققنس لأحمد بوزفور

سعاد مسكين 

 

بعد النظر في الوجه العزيز، والظاهر الغابر، وصياد النعام، يحلق القاص أحمد بوزفور مع طائره ققنس في متاهات المتخيل الحلمي باحثا عن طرق مغايرة في الكتابة القصصية . معتبرا القصة، وكعادته ، طفلة في الأدب، تحتاج إلى حليب الكلمة الشفافة، ومهد الواقع الطفولي، وموسيقى الخيال الحلمي.
لقد اشتغل القاص في مجموعته "ققنس" (1) على ترسيخ هذا المنظور لكن بنوع من "الجدة" لم يعتدها القارئ في الكتابة القصصية البوزفورية مبعثها توظيف "الحلم" باعتباره متخيلا يهرب إليه من منطق الواقع، وباعتباره تقنية ينفذ بها إلى عمق الذات والوجود. لهذا خرج القاص عن المألوف في طرق الكتابة القصصية ، وجعل القارئ أمام رهان تشييد المعنى المنفلت والغامض، وتمكن من تبئير القراءة والتأويل بكونهما إستراتيجيتين نصيتين تكشفان عن مصادر هذه "الجدة" والغرائبية.

1- الحلم باعتباره متخيلا

تنفلت الكتابة في "ققنس" من الواقع وتبني عالمها على متخيل حلمي يتجلى فيه الحنين إلى الطفولة البريئة ، إلى عالم الحليب الطفولي القديم الذي يملأ فضاء الحالم بياضا، ويضيء عتمة حاضره الذي تطغى عليه رؤية درامية مبعثها الإحساس بالعجز، والقلق ، والموت.إحساس تفتقد فيه "الأنا" هويتها وتصبح ذاك المجهول المبحوث عنه في عوالم ممكنة. يقول السارد في تفسير التفسير:"ألف باء تاء...اكتب"
 "لن تكتب إلا الأرشيف"
  " ألف باء تاء...اقرأ"
    " لن تقرأ إلا نفسك"
لكن ، من أنت؟
"أن..." قال ، وأمسك.(2).

ينتج عن هذا الوعي الممزق بين  الذاكرة الطفولية والموت المرتقب تركيب حلمي يحمل صورا متعالية ، تتولد عن استيهامات التخييل سواء لحظة اليقظة أو النوم، تؤسس لقيم بديلة تكسر السائد، وتقصي الصوت الواحد، وتخلخل الثابت إلا أنها في العمق لا تقصي الواقع نهائيا بل تعكسه بشكل مرآوي كي يتم الكشف عنه وتعريته،  أكثر من ذلك فضح ما ورائياته، يبين السارد هذا المنظور المرآ وي  من خلال بعض المقاطع السردية:
- يقول في قصة زروق : "مددت يدي نحو الولي الصالح فتلاشى، لم يبق منه إلا هالات ضوء انداحت بين السقف  و الأرض، كما لو كنت قد مددت يدي إلى غدير ماء أقبض على صورتي المنعكسة فيه"(ص:50).
- ويرد في قصة الصفعة: " وجه طفل ينظر إلي ، يتفرس في ، كما لو كان وجهي مصبوغا بالألوان، أو شاشة تلفزيون، أو شارع تحت شرفة، أو ربما ، مرآة سحرية يرى فيها الطفل وجهه وما وراء المرآة في وقت واحد"(ص:57).
إن حضور المرآة لا يبتعد كثيرا عن" فعل الرِؤيا" ، فعل ينبني على منطق تجاوز الحاضر والكائن،  والهروب منه أيضا إما عبر استرجاع  الحنين الطفولي أو استشراف غد أسود ينذر بالموت.لهذا يرفض السارد هذا الزمن الوهمي الذي لا تتحقق فيه الرغبات والأحلام" منذ زمن بعيد، منذ بدأت أعي ، إن كنت أعي شيئا فعلا،  وأنا أنتظر أن يقع شيء ما ، في زمن ما، ودائما يأتي الزمن المنتظر و يمر، ودائما لا يقع شيء" (3).
يرتبط المتخيل الحلمي إذن بقلق الحياة وأمل الخلاص . الشيء الذي يجعله شيئا آخر غير الحقيقة ولكنه في نفس الآن نفسه، هو الحقيقة باعتبارها مادة التخييل، حقيقة نسبية وليست مطلقة، حقيقة تجعل الحلم فينا" فكرة تشتغل وفق منطق مختلف عن الفكرة الواعية المنطقية ، التي تتميز بالجهل للزمن"(4).
أمام هذا المنطق الجديد الذي يرغب في تجاوز الواقع ، وتجاوز حتى طرق الكتابة المألوفة، اشتغل القاص على الحلم باعتباره متخيلا من خلال التجليات الآتية: 

أ‌- الإنمساخ:  يقصد به ذاك  التحول الذي تعرفه الشخصية في حجمها أوشكلها، وفي صورها وهيآتها، تكشف عن هذا النمط قصة " الرقص مع البالرينا" حيث ترى المرأة نفسها " داخل الشاشة ، بأنها الفتاة المتفرجة في قاعة المسرح ، أو حتى بأنها البالرينا نفسها ،ترقص أمام نفس المتفرجين"(5). بعدما كانت تتبع ما يجري على الشاشة الصغيرة، وهي تجلس في الصالون. إن تحول الشخصية عبر التماهي مع شخصيات أخرى ، يجعلها تقصي ذاتها، وتحل في ذوات أخرى تعيش الحياة، والحرية ، والحب الذي تفتقده في معيشها الحقيقي.
تكشف عن الانمساخ أيضا رؤية الحالم للصيادين الأرستقراطيين حيث "تبدو قاماتهم أطول، وتبدو وجوههم معوجة ملتوية بأشكال غريبة تثير نوعا من الرعب الأسطوري ونوعا من اليأس الأبيض الصامت"(6) . تعكس هذه الرِؤيا سخط السارد الرائي على الطبقة الأرستقراطية ، يقدمها مشوهة من عيني الذئب الذي يعد أكثر شراسة ووحشية منهم، هذه الطبقة التي تقتل في الذات كل ما هو جوهري وطبيعي ، ولا تقلص الحياة سوى في شرب جعة خمر، وملاحقة النساء. أما قصة" زروق" فتعرض لتحولين أحدهما تحول حيواني ، صار حصان الولي الصالح سيدي أحمد زروق " تيسا أسود مربوطا في شجرة  من قرنيه"(7). ,وآخر تحول وضعي إذ كان الرائي واقفا خارج الدار يرقب  قدوم الولي الصالح فإذا به يصير" في الفراش مريضا" (50),إن تحول الرائي إلى مريض يرمز إلى رغبته في الفرار من المحاسبة لعدم وفائه بوعد أمه "ذبح التيسّ" وتقديمه قربانا للولي الصالح. الأمر الذي جعله يرى الحصان تيسا.
إن تحول الشخصيات وانمساخها يخلق أيضا تحولا للذات إذ يخول لذاكرتها سلطة الخرق الزمني وطي المسافات بين الماضي والحاضر، أو بين الحاضر والمستقبل، وتمكنها من استيهام فضاء رحب يحتمل الصدمات ، ويتجاوز الإحباطات التي يمكن أن يفرضها الواقع, لهذا يتساءل السارد وهو يتأمل الزمن الخائب:"لماذا لا تقع أحداث حقيقية  فعلا، تقلب حياة الناس، وتعرضها لشمس التاريخ لتغتسل في أشعتها من أوضار الرتابة والبؤس والانتظار؟"(8).

ب-داعية الألم: يقصد أرسطو في كتابه فن الشعر بداعية الألم ذاك"الفعل الذي يهلك ويؤلم"(9) والقاص يعيش ألم الموت، وتكحل عينيه رؤية سوداوية يرمز إليها الطائر "ققنس" الذي ينذر بالموت والهلاك، ويجليها  الحلم الطفولي الذي لا يفارق فيه الحالم البكاء:
أحلم أنني طفل في المهد، وأنني أبكي
يد لا أراها تهدهدني، وصوت خافت
يغني فوق رأسي:
لا تسكت
لا تبك الأمس ولا تبك اليوم
ابك الآتي
فالآتي تيه
والآتي لا دمعة في عينيه
والآتي لن يلقى أحدا يبكيه
والآتي مهجور من أبويه
والآتي...
والآتي....
والآتي....(10).
إن سلطة الموت  سلطة قهرية، تقتلع كل جميل من تربته وتجرف كل موجود وتصيره عدما، هذا لأن " شجاعة الترك أقسى من شجاعة الفعل" (11) .تخلق القساوة  حسرة على ما كان ولم يعد موجودا ، وحسرة على تضييع الفرص، ضياع زهرة الحياة، "زهرة" التي خطفها الموت، وسأم انتظار ها  في موعد أخلفته" وجاء الزوال، وجاءت بعده الرابعة، ولم تأت هي. العالم كله زال ، وما زال، في تلك الرابعة المنحوسة بعد ذلك الزوال، وفيها سيموت أيضا، ماذا يفيد أن تأتي الآن"(12). إن الإحساس بالموت  مرده ذاك التوتر الذي تتولد عن الذات جراء انفصالها عن الموضوعات: الحياة، الحب، الحرية فلا ترى دونها سوى الفناء ، يقول السارد في مونولوغ داخلي:" الإبداع الإنساني ينسحب إلى المتاحف والخزائن، والإنسان يغيب في ظلمات التاريخ، وأنا ...مت "(13).
ينفلت السارد في بعض اللحظات عن الإحساس المرير بالحسرة والموت عبر الرؤية الاستعادية للطفولة كذكرى وحنين للحياة الطبيعية الهادئة بعيدا عن قساوة الواقع في نوع من اليوتوبيا" إن الطفولة مجرة بعيدة ، والضوء الذي يصدر عن أحداثها لا يصلنا إلا بعد زمن طويل من انقضائها ، لذلك لا نرى الطفولة حقا  إلا في الشيخوخة ، ولا يحس بالطفولة في كل شيء إلا الشيوخ"(14)، ويتحقق الانفلات الثاني عبر استحضار الذاكرة الجماعية، والتراث  الإنساني بما يزخر به من روافد إبداعية يتنفس من خلاله السارد كي يحس بالحياة من جديد ، وكي يبحث عن هويته المفقودة، ويثبت انتماءه لأنه يعيش التهميش والإقصاء كإنسان، وكمبدع. أما الانفلات الثالث يعبر عنه الإبداع والكتابة لكونهما يسعفان المبدع على  " تفريغ انفعالاته، وبالتالي على الوعي بواقعه الصفر"(15).
ج- الازدواجية: تبدو الازدواجية من خلال حضور القيمة وضدها في الآن نفسه،"ققنس" طائر حسن الصوت لكنه حامل للموت، والسارد يعيش  فصاما  مزدوجا،  يمزق ذاته الحالمة إلى رائي ومرئي، هو الذي يعيش الولادة حتى الموت، وهو الذي لم يحس الطفولة إلا في الشيخوخة.
 تبدد هذه الازدواجية  ذاك التوتر الذي تعيشه الذات في علاقتها بالآخر ، والواقع وهي في حالة اليقظة،  فالسارد في قصة" تعبير الرؤيا " معجب بمظهر كاسترو لأنه يوحي إلى قديسي الثقافة الإسلامية ، لكنه يظهر في الحلم بشكل معادي " كأنه وجه راسبوتين : غيب يغتال الشهادة، ماض يسرق الحاضر، رؤيا تصيب الرؤية ، أو أسطورة تعوق الحداثة"(16). يفيد هذا التموج والانتقال بين القيمتين تعرية حقيقة الإنسان على أنه وحدة غير منسجمة تشي بالانكسار ، لكنها تنشد التوحد والوحدة " الحالم هو الرائي  أيضا وليس المرئي فقط، هو اللص الذي عض الأم أيضا وليس ابنها فقط، هو إذن بوراسين ، ورغبته التي يحلم بتحقيقها هي أن يكون واحدا"(17) .

2- الحلم باعتباره تقنية
لا تكمن الغرابة داخل هذه القصص في كونها اعتمدت المتخيل الحلمي ، ولكن تتجلى أيضا من خلال اشتغالها على الحلم باعتباره تقنية مركبة ومعقدة تروم التشظي والتقطيع، وتقوم على اللعب اللغوي، وتحيا على روح الإيقاع الموسيقي.
أ‌- التشظي:  يعتمد الحلم على الكتابة المقطعية أو الشذرية حيث نجد على سبيل التمثيل قصة " تعبير الرؤيا" تنشطر إلى : 1- الحلم /2- الهوامش/ 3- التعبير / 4- تفسير التفسير، ونجد قصة "ققنس" تنشطر بدورها بدورها إلى 1- الحلم/ 2- تعليقات الحلم /3-التفسير/4- تفسير التفسير.
يوحي جسد هذه الكتابة في الظاهر بالفوضى و اللاانتظام  لكن بنيتها العميقة تعكس قدرة الحلم على معانقة قراءات متعددة، وتأويلات مختلفة،و تصبح "القراءة" شخصية رئيسية تشيد ، هي أيضا ، صرح القصة فإلى جانب تعليقات وتفسيرات السارد التي تأتي موازية للحلم، تظهر سجلاته الثقافية والمعرفية فإن الحلم يبقى مدلوله غير يقيني ، ويظل الثابت فيه يرتكز على ما يخلفه من أثر أو إحساس في نفس المتلقي.بهذا يظل " كل تأويل يقدم للمؤول إحساسا بالانسجام التام هو تأويل حقيقي" (18).
 ينسجم هذا التشظي مع تشظي قيم الذات بين الخيال والواقع، بين الضوء والظلام، بين الفرح والحزن، بين اللبس والعري، ذات منكسرة على خشبة مسرح الحياة لكنها تنشد الطيران، والرقص كي تحقق ما تأمل إليه من رغبات وآمال، إنها ذات ستسترسل في تحيين فعلي الكتابة والتأويل إلى أن تنقشع الغشاوة يوما وتبصر العين "جسد المعنى يختلج في إحدى الكلمات"(19).
ب‌- اللعب اللغوي: تشكل اللغة القلب النابض للكتابة خاصة تلك التي ستوظف للتعبير عن الحلم ، واستيهامات الصور والأخيلة إذ تبني عالمها الداخلي على "أقنعة" تخفي الحقائق سواء تلك التي تنبعث من السارد وهاجة وساخنة أو تلك التي على القارئ فك طلاسمها ، وفتك أسرارها لأن الكتابة عند السارد "طفلة بعد...كما لو كانت لغتها بدائية مغرقة في القدم ، وكل حرف منها أيقونة مقدسة ، بئر أسرار مختومة بالأرصاد، ولكنها مغرية بالبحث موحية بما يشبه المعنى توقف الطفل على حافة الفهم ثم تسمره على تلك الحافة التي لا يتجاوزها ولا يتراجع عنها" (20). هكذا يبغي السارد من قارئه أن يفهم المعنى دون أن يزيغ عنه، فيقربه له عبر التمثيل والمشابهة باستخدام صيغة "كأنما" لازمة تتكرر بكثرة بين ثنايا العمل القصصي، يقول السارد"نعم هو قميص ، ولكنه ليس هذا النوع الحديث من القمصان الذي يلبسه الناس اليوم كأنما هو "شامير" تنقفل عروته الوحيدة في جانب العنق على الكتف وليس على الصدر ، وفتحة الشامير على الكتف تمتص ماء المطر وتوزعه على الظهر والبطن ، وكأنه ماء أسود ،  يراه الشخص القابع أسود ويحس الشخص المتحرك أسود حتى دون أن يراه ، كأنما هو ماء طين لا ماء مطر"(ص:8),
ينفذ السارد عبر كأنما إلى عمق المعنى فيفتته، ويجعل القارئ مذهولا ومأخوذا به ، يتتبعه إلى منتهاه، فيجده يرتع في متخيل خصب حيث المطر، والحليب، والموسيقى. أو يجده مدفونا في طين أسود ، يحتضر ، ويستشرف الموت. لهذا تنقل كأنما القارئ من العالم السفلي الحسي المحايث إلى عالم علوي ذهني متعالي ، يحتاج منه عمق النظر، وكثرة التحديق من أجل تمثل تفاصيله ، ومعرفة أسراره,
لا ينحصر اللعب اللغوي في المعنى "المقنع" بل أيضا في المعنى الواحد الذي يتولد عن تركيبات لغوية متعددة ومتنوعة يقول السارد إجابة عن سؤال زوجته له عن معنى "الليل"، بعدما وقف عند تحليل عبارة "إبريق خمر:"الإبريق العتيق، والخمر عتيقة وعاتق وعتيق ، عتيقة لقدمها، وعاتق لأنها بكر لم يمسها شارب، وعتيق لأنها حرة رغم الإبريق الحافظ، لأنه إبريق  من ريق. ريق النهار ؟ نعم الليل ريق النهار رضابه الحلو الذي لا يذوقه إلا العشاق والشعراء ...وأنا" (21)
إن جل هذه الألفاظ  استعادية  تحيط بالذكرى ، بالعتاقة، بالقدم، بالحرية .عناصر تمثل ريق الحياة عند السارد ، رئته التي يتنفس بها من أزمة الواقع ، هي عالمه الطوباوي الأوحد.
ج- الإيقاع الموسيقي: إن بنية الحلم لغة وتركيبا بنية إيقاعية ، تتداخل فيها المقاطع السردية، والجمل التركيبية القصيرة تنحو نحو  خلق جمال الدلالة والصوت معا، يرد في قصة زروق:"جاءني في المنام، وقال لي :"أمك تسلم عليك وتقول لك ، أين هديتي؟" لم أتبينه جيدا ولكنه  كان يلبس الأبيض : جلبابا أبيض، وبلغة بيضاء، لكن بعمامة خضراء.بلى أتذكر الآن، كان وجهه عريضا ، ولحيته باسمة، لحيته سوداء يخبط حافتها الشيب، وكان هو نفسه يبتسم وهو يقول في ذلك.
أحسب أن ابتسامته في أول الكلام كان رقيقة حانية، ولكنها أصبحت في آخره ابتسامة عابسة، لنقل قاسية بعض الشيء ، بدقة كانت ساخرة(ص:49).
تتسم الجمل القصيرة بالاختزال، تتتالى في حركة وإيقاع، تتوزع مقطعة ، يحرص الكاتب على الفصل بينها بعلامات الترقيم ، خالقا إيقاعا هرمونيا "يربط بين الآفاق الرحبة المتباعدة، وتتسم أناته السريعة بالدقة والرهافة ، ولكن بالوضوح والصلابة والحدة ، وقفات دقيقة صارمة صلبة كقرون الوعول في ضوء الشمس ، أو كأنامل راقصات الباليه تحت أضواء المسرح"(22).
يزيد الحس الشعري من حدة  الموسيقى  الداخلية إذ يعد عنصرا لغويا من عناصر القصة ، يهدف به القاص إلى خلق تنويع لغوي وإيقاعي، وللتنقيص من حدة الطابع الدرامي عبر التطريب السمعي يقول السارد:
" بحر من النار البعيدة يقترب
وأنا على الشط
والشمس في كبد السماء
كبدي على تلك السماء
وبدون ماء"(23).
إن الموسيقى والإيقاع ماء وحياة القاص لأن بداخله إنسان مرهف الحس، يستبطن ذاته عبر إعادة امتلاكها عن طريق اللغة الشعرية التي توحي أكثر مما تحيل ، تحيل بأشياء تحس أكثر مما تفهم، إنه يمارس فعل "الغواية"  على القارئ أن يظل يبحث عن عمق الدلالات الثاوية والمختفية.
تركيب
عبر تجليات الحلم هاته سواء باعتباره متخيلا أو تقنية تمكن القاص من أن يجرب  طرقا مغايرة في الكتابة القصصية جعل مجموعته تنسج تميزها الإبداعي، عبر الاشتغال على الحلم ، وبالحلم . لم تفقد معها القصة مقومات الحكاية ولم تهدم شرعية انتمائها للقصة القصيرة.
الهوامش
1- ققنس، أحمد بوزفور، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، ط: 2 ،2007 .
2- ققنس ، (ص:24).
3- الموعد ، (ص:61).
4- Renee bouverse/Roland quillot : les critiques de la psychanalyse.que sais-je ? PUF. 2000.(p :59).
5- الرقص مع البالرينا ، (ص:27).
6 - ناتاشا، (ص:44)
  7 - زروق، (ص:50).
8 - الموعد ، (ص:61)
9- -   - أرسطو، فن الشعر
10 – زروق، ، (ص:52/53).
11- ناتاشا(ص:45)
12 الموعد ، (ص:63).
 13اعود تبن أبيض ،(ص:57).
14 -  ققنس، (ص:24).
15-  نفسه، (ص:23).
16 -تعبير الرؤيا، (ص:14).
17- نفسه،  (ص:15).
18 – Renee bouverse/Roland quillot : les critiques de la psychanalyse.que sais-je ? PUF. 2000.(p :59
19 - - الرقص مع البالرينا ، (ص:29).
20 – الصفعة،(ص:57).
21 – نفسه، (ص:40 ),
22- محمد بوزفور، الزرافة المشتعلة،(ص:40).
23 – (ص:21).

 

  الـصـمـت والكلام في قــصــص أحـمـد بـوزفـــور

   مجموعة: صياد النعام(1993) نموذجا
                                                        
 د.حسن المودن 

                                                     
" الجمال يا بني ... هو الموت."أحمد بوزفور

   
   1 ــ التذويت والانفتاح على الذات:


أحمد بوزفور قاصّ مغربي معاصر، لعبت نصوصه القصصية دورا كبيرا في التحولات التي تعرفها الكتابة القصصية، بالمغرب خاصة وبالعالم العربي عامة. فإذا وضعنا نصوصه القصصية في سياقها الأدبي والتاريخي، سنلاحظ أنها أكثر القصص تجريبا وبحثا متواصلا عن أكثر الأشكال واللغات والأساليب والتقنيات قدرة على بناء مفهوم مغاير للكتابة.
     بدأ أحمد بوزفور النشر منذ العقد السابع، وأصدر مجموعته القصصية الأولى: النظر في الوجه العزيز سنة 1983. وآخر مجموعة أصدرها كانت تحت عنوان: ققنس سنة 2002. ونحاول في هذه المقالة مقاربة بعض عناصر الجدّة التي تميزت بها نصوص بوزفور، وخاصة في مجموعته: صياد النعام التي صدرت سنة 1993.
        وأول ما ينبغي تسجيله، في نظرنا، هو أنه لا يمكن أن نتحدث عن نصوص هذا الكاتب دون أن نسجل أنها لعبت دورا كبيرا في إعادة الاعتبار للذاتي، وجعل التذويت إحدى الآليات الضرورية للكتابة القصصية. فقد كانت الكتابة السردية بالمغرب خاضعة لتصور إيديولوجي مبسّط ــ وطني ثم اجتماعي ــ يغلّب المضمون على الشكل، والإيديولوجي على الجمالي، ولا يعير اهتماما لعنصر الذات، ولا يسعى إلى بناء تصور جدلي يأخذ بعين الاعتبار تلك التفاعلات والتعالقات المعقدة التي تحصل بين العناصر الأساس في تكوين كلّ كتابة: الذات، المجتمع، التاريخ، ويأخذ خصائص الكتابة واستقلاليتها بعين الاعتبار. وكما تقول إحدى قصص بوزفور التي تمارس التنظير أيضا:

    " وعلى الذين يبحثون عن الايدولوجيا في رواية " الفلاح والتاجر والكاتب" أن يمسكوا بخيط التاريخ في الرواية، وأن يتتبّعوه من الجوع إلى الشرف إلى الانتماء إلى الوعي الشقيّ بالذات، فلعلّهم يفهمون حينئذ كيف تحرّك ويتحرّك التاريخ، وكيف جسّد الفنّ حركته" 1.
   
    في قصص بوزفور انحياز للإنسان والحرية والاختلاف، وإعادة الاعتبار للفردي والذاتي، وانتقاد شديد للمذاهب الإيديولوجية التي تتميّز بطابعها الجماعي المغلق والمنغلق، وتمارس الوصاية على الأفراد والتحكّم في أقوالهم وأفعالهم:

    " أنا لا أريد أن أدري، أريد أن أدري لماذا تحبسوننا في مكان مغلق وترغموننا على أن " ندري". لماذا لا تطلقون سراحنا وتشجعوننا على أن "نفعل"، أن "نلعب"، أن " نتحرّك"، أن "نختلف" لا أن ندري"2.

   في قصة: صياد النعام ــ وهذا عنوان المجموعة القصصية أيضا ــ حكاية تلميذ ملتزم بقضايا التلاميذ، ومنتم سياسيا، وخبر تجربة الاعتقال صغيرا، وكتب للإضراب والتحريض، لكنه لما تجرأ وكتب قصة عن الحب، عن الذات وآخرها، وقرأها أمام رفاقه اتّهم بالتهمة الخطيرة: بورجوازي صغير، وحصل تبعا لذلك إجهاض القصة. ذلك أنه لم يكن مقبولا أن تنفتح الكتابة على الذاتي، وأن تحرر الخيال الطفولي وتوظفه، وأن ترمي إلى تقويض السلطة الأبوية الجماعية، وأن تدمّر جدران المتخيل ـ السجن الذي تحبس فيه الايدولوجيا الكاتب وشخصياته.
    
 2 ــ الكتابة بين اللسان والكلام:

   
 وتكمن أهمية هذا الانفتاح على الذاتي في كونه يفتح أمام الكتابة أبوابا مغايرة وآفاقا جديدة:
    هكذا، نجد نصوص بوزفور تؤسس كتابة تريد أن تمارس حقّها في الكلام واللعب، وفي الفعل والاختلاف. وهذا ما يفرض عليها أن لا تكون خاضعة الخضوع كلّه للأنظمة والأنساق، بل ينبغي أن تنطلق منها من أجل أن تعيد ترتيبها وبناءها. ففي أكثر من قصة، نجد هذا التنظير لكتابة تقوم على أساس تدمير الأنظمة والأنساق، أو تعيد ترتيبها، وتتموقع بذلك بين النظام واللانظام. هكذا نقرأ في قصصه:

    " الحياة هي الريح نفسها: حـرّة مدمّـرة للأنساق والأنظمة والاتساقات"3.
    " لخلق مكان، مكانك أنت، مكانك الجميل، يجب إعادة الترتيب" 4 .
    " هناك إحساس بالنظام ورفض له في وقت واحد"5.

    وبعبارة أوضح، وباستعمال مصطلح اللسانيات، نقول إن قصص بوزفور كلام لا لسان، أو هي تعيد ترتيب اللسان من أجل أن تؤسس كلاما خاصّا بها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف تتكلم نصوص أحمد بوزفور؟ وما الذي يميّز هذا الكلام عن اللسان أو النظام القصصي السائد، على الأقل في الأدب القصصي بالمغرب؟
    أول ما تتميّز به نصوص الكاتب هو بنيتها التكرارية التوكيدية، بحيث تتكرر الجمل أو صيغها التركيبية، وتتكرر الكلمات أو بعض أجزائها، وتتكرر بعض الأصوات والحروف:

   " وينهال على جوربك المتّسخ بلماذا؟ كيف؟ أين؟ متى؟ لماذاذاذاذاذا؟"6.
   هل يتعلّق الأمر بتكرارات مجانية أم أننا أمام طريقة أخرى في الكلام توظف ما فيه من إمكانات صوتية وتركيبية وإيقاعية تكون لها دلالات ووظائف عندما ينجح الكاتب في تشغيلها في السياقات الملائمة؟
   يبدو هامّـا تناول خاصية التكرار والتوكيد من منظور لساني نصّي، فتتمّ دراسة العلاقات التي تقوم بين البنيات الصوتية التركيبية ذات الطبيعة التكرارية التوكيدية وبين البنيات الدلالية للنص. فلا يمكن بناء دلالات النص إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك الشيء الآخر الذي تقوله التكرارات والتوكيدات. لكن هذا الشيء الآخر يبدو منفلتا صعب التحديد، ويدعو القارئ إلى ممارسة البحث والاكتشاف، لأنه عبارة عن معاني إيحائية رمزية متعلقة بسياق الكلام. وهنا تكون الدراسة التداولية للبنيات التكرارية التوكيدية ضرورية.
    من بين قصص الكاتب قصة عنوانها: الصاد، وهي بالفعل قصة يهيمن عليها حرف ـ صوت الصاد، به تبدأ وبه تنتهي، وهو يحضر في كلمات كثيرة تبدو أحيانا من دون معنى: صطاب، صاط، صررر.
    هي كلمات أو أصوات جديدة لن يجدها القارئ في اللسان القصصي، لأنها خاصة بالكلام القصصي عند أحمد بوزفور، ويتحول بعضها أحيانا إلى مفتاح لنص أو مقطع بأكمله، كما في هذا النموذج:
   
   " لا تفكر في الريح ... واجهها كنت أنت ريحا لا خلاق لها/ واضبط الجدران وقل صررر... للشامتين قل صررر... وللتافهين قل صررر...ولفئران الكراسي قل صررر... وللذين " كايسيرو" كلماتهم قل صررر... صعرر...صررر..."7

   يتعنق الأمٱ ببنية ٵوتية تركيبية لم تهن مألوفة في النصوص السابقة، من خلالها يتكلم النص، ويقول شيئا ما، ويدعو القارئ إلى اكتشاف هذا الشيء انطلاقا بطبيعة الحال من السياق النصي.
   وما يميز هذه البنية النصية أنها تفتح الطريق أمام الكتابة القصصية لاستغلال إمكانات اللغة الصوتية والتركيبية، واللعب بالأصوات والكلمات والدوال اللغوية القصصية، كما في قصة أيها الرقبة:

    " بلا بلا بلا بلا بلا بلا ــ جاوب
       بلا بلا بلا بلا بلا بلا ــ جاوب
       بلا بلا بلا بلا بلا بلا ــ جاوب
       بلا بلا بلا بلا بلا بلا ــ جاوب
       ..................................."8.

 

3 ــ اقتصاديات نصية جديدة: الصمت والحذف والفراغ


  الصمت والحذف والفراغ من الاقتصاديات النصية الجديدة التي ميّزت الكتابة القصصية عند أحمد بوزفور، بحيث يجد القارئ نفسه أمام قصة مليئة بالحفر، ترفض الكلام وتنفر من التفاصيل، وتفضّـل الصمت والحذف والاختزال. هكذا نقرأ في قصة الفنان:

   " أستطيع رسم الكتلة في ليلة واحدة، ولكن العمل في هذه الكتلة بالحذف والاختزال يتطلّـب سنة على الأقلّ."9.

       كثيرة هي الدراسات المعاصرة التي تهتمّ بالكلام، قليلة هي تلك التي تهتمّ بالصمت. وفي تراثنا النقدي والبلاغي، نجد الجاحظ يخصّه في البيان والتبيين بباب مستقل، كما نجد عبد القاهر الجرجاني يلفت الانتباه إلى بلاغته ــ في معناها الجمالي والتداولي ــ قائلا:

    " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، كأنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة." 10.
   يمكن النظر إلى الحذف والصمت في قصص بوزفور من منظور بنيوي، فنعتبره عنصرا بنائيا هامّـا داخل تأليف مشيّد قائم الذات، بحيث يأتي الفراغ وجها من أوجه البناء. لكن ينبغي النظر إلى الصمت من منظور نسقي موسّع، بنيوي وتداوليّ. ذلك أن هذا المنظور هو الكفيل بطرح أسئلة جوهرية من قبيل: كيف يشتغل الصمت أو الحذف أو الفراغ داخل سياق نصيّ معيّـن؟ما الذي يقوله هذا الصمت؟ ماذا يعني هذا الصمت على مستوى فعل الكلام؟ ما هي المفعولات المراد الحصول عليها على مستوى التلقي؟
    تعود أهمية الصمت أو الحذف أو الفراغ إلى أنه يقول بطريقته الخاصة ما يسعى الكلام نفسه إلى إخفائه وإضماره، فيصير الإخفاء نفسه هو الإظهار، ويصير ما كان غائبا وفي حكم العدم والموت شيئا موجودا وحيّـا.
    يتخذ الصمت أو الحذف في قصص بوزفور أشكالا عديدة، فقد يكون سطرا من نقط الحذف يتخلل صفحة من صفحات القصة، وقد يكون حذفا يمسّ جملة أو كلمة أو بنية نصية بأكملها، وقد يكون الحذف نهاية نص كما في قصة حصان الساعة اليابانية:

    " على سطح العين تطفو ساعة يابانية صغيرة، يراها الحصان ويهمّ بالحمحمة، انه يبتسم، هل يفكّر في القفز اليها؟ ..............................................................."11.

    هذه نهاية مفتوحة تدعو القارئ إلى المشاركة والاستمتاع بمتعة ملء الفراغات. إنها تقنية السرّ، فمن استطاع سدّ الثغرة اختبر متعة المعرفة ونشّـط الخيال. نقرأ في قصة صدر حديثا:

    " ولكنها بنهايتها المفتوحة تدفع القارئ إلى آفاق واسعة من الخيال عملا بالمبدأ الفنّي الحديث: على القارئ أن يستخرج بأصابعه الكستناء من النار"12

    إن مهمة الكاتب ليست هي الكلام فقط، بل هي دفع المتلقي إلى الكلام والحوار أيضا، أي أنها دعوة إلى إخراج الخطاب القصصي من صمته وانتظاره. فالصمت ليس عدما خالصا أو فراغا مجانيا، بل هو بنية قابلة لتأويلات متعددة. نقرأ في قصة صياد النعام:

   " قد يحتاج الأمر إلى قراءة ثالثة، هل الثالثة ثابتة؟ إذ أنني لا أدري في الحقيقة عمّـن أو عمّـاذا كنت أتحدث، أما الكتابة فمن يستطيع الحديث عنها؟"13 .

     وإجمالا، فمع نصوص أحمد بوزفور القصصية تتحول الكتابة إلى مسألة إشكالية، فهي في الوقت ذاته تنتمي ولا تنتمي  إلى النظام القصصي، وهي تؤسس كلامها الخاص دون أن تنفصل تماما عن اللسان القصصي، وهي تمارس الصمت والحذف، ولكن بالشكل الذي يسمح لها بالحديث من خلالهما، وهي تتكلم وتترك للقارئ فرصة الكلام، أي أنها وتتكلم وتدفع المتلقي إلى مشاركتها في الكلام.
     وليس الصمت أو الحذف أو الفراغ مجرد ألاعيب شكلانية، ذلك لأن صموتات أحمد بوزفور موثقة بالأصوات والكلمات، فالصمت هنا هو أوج اللغة كما قال مالارميه، إذ يكشف مستوى الكاتب أمام اللغة.
     ينظر بوزفور إلى اللغة القصصية باعتبارها نظاما لابد من تدميره وإعادة ترتيبه، وهو يدمره من خلال الاشتغال على مادية العلامة اللغوية: تأتي الصفحة المكتوبة صوتا ومعنى في الآن نفسه، وتخلق تناغما بين الكتابة والموسيقى، بين الصوت والكلمة، بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة. فالأدب القصصي كتابة وطباعة وكلام وصوت ومعنى وأشياء أخرى كثيرة.


الهوامش:
1 ــ أحمد بوزفور: صياد النعام، مطبعة النجاح الجديدة، الب♊ضاء، 1993، ص28.
2 ــ نفسه، ص ص 60 ـ 61.           
3 ــ نفسه، ص52.           
4 ــ نفسه، ص14.    
5 ــ نفسه، ص19.
6 ــ نفسه، ص42Į 䀠    
7 ــ نہسه، ص 48.                     
8 ــ نفسه، ص 61. 
9 ــ نفسه، ص 18.           
10 ــ عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق وتقديم ر. الداية و ف. الداية، مكتبة سعد الدين،
دمشق، 1987، ص162.                                                                        
11 ــ أحمد بوزفور: صياد النعام، ص54.         
12 ــ نفسه، ص 26.0       
13 ــ نفسه، ص 10.


 

 


Add a Comment