المظلة

إبداع ونقد

المقاربة السيميوطيقية: النظرية والتطبيق

 
د. جميل حمداوي
 

jamilhamdaoui@yahoo.fr

تمهيــــد:

يقوم النموذج السيميوطيقي على دراسة النص أو الخطاب من الظاهر أولا، ومقاربته على مستوى السطح ثانيا، وتحليله على مستوى العمق ثالثا، وذلك بتقطيع النص إلى مقاطع سردية مرقمة بشكل متسلسل، أومعنونة بتيمات دلالية ووحدات وظائفية في شكل تواردات تشاكلية. وبعد ذلك، يتم تقطيع المقطع السردي إلى ملفوظات سردية متعاقبة في شكل جمل وعبارات سردية، فيتم دراستها على ضوء المكون السردي من جهة، والمكون الخطابي من جهة أخرى. ومن ثم، ننتقل إلى المستوى الدلالي والسيميولوجي بدراسة السيمات النووية والسيمات السياقية، وتحديد التشاكل السيميولوجي والدلالي. وبعد ذلك، يبين المستوى المنطقي، وذلك بتحديد المربع السيميائي، واستخلاص علاقاته الثاوية، واستجلاء عملياته المضمرة.إذاً، ماهي مبادئ المقاربة السيميوطيقية نظريا وتطبيقيا؟ وماهي الخطوات المتبعة لتطويق المعنى وشكلنة الدلالة؟

1-

بنيـــة التجلــي:

يتكون النص في منظور المقاربة السيميوطيقية من ثلاث بنيات متكاملة: بنية التجلي(النص الظاهر)، والبنية السطحية، والبنية العميقة. ومن ثم، تعنى البنية الخارجية أو بنية التجلي بدراسة العتبات الموازية(العنوان- الأيقونات- الهوامش- المقدمات- الإهداء-المقتبس- كلمات الغلاف...) ، وتقطيع النص على ضوء مجموعة من المعايير السيميائية، وذلك كالمعيار المكاني Toponyme، والذي يتمثل في تحديد الفضاءات المكانية المدمجة (بكسر الجيم) Englobant ، والمدمجة (بفتح الجيم) Englobé. وهناك المعيار الزمني، والذي ينقسم إلى لحظات زمنية محورية: قبل- أثناء- بعد. وهناك أيضا المعيار السردي، والذي يتمثل بدوره في ثلاث لحظات سردية: الاستهلال والعقدة والانفراج. وهناك كذلك المعيار الفاعلي Actoriel، والذي يحدد الفواعل والعوامل والشخوص الرئيسية والمساعدة سواء أكانت فردية أم جماعية ، والتي لها دور بشكل من الأشكال في تأزيم الحكي أو تشكيل السرد. بله عن المعيار الأسلوبي، والذي يقوم على استحضار السجلات اللغوية والروابط والصياغة الأسلوبية والتعبيرية التي لها أهمية في بناء النص وشكلنته . ولا ننسى أيضا المعيار البصري أو الطيبوغرافي، والذي يهتم بتقطيع النص إلى جمل وفقرات محددة على ضوء علامات الترقيم أو اعتمادا على ثنائية الفراغ والامتلاء، أو استعانة بثنائية البياض والسواد. وثمة المعيار الدلالي أو الموضوعاتي القائم على استخلاص التيمات والموضوعات. و في الأخير، يمكن الحديث عن معيار التشاكل السيميولوجي أو الدلالي، والذي يرتكز على استخلاص مجموعة من التواردات التكرارية شكلا ودلالة .

وعلى أي حال، تحوي بنية التجلي ثلاثة مكونات أساسية إلى جانب العتبات، وهي المكان والزمان والفاعل. ومن هنا، ينقسم المكان إلى مجموعة من الفضاءات السيميائية، مثل:

1-

المكان الأصل، وهو مكان الأنس أو المكان الحميمي.

2-

مكان الاختبار الترشيحي أو المكان المجاور للمكان المركزي.

3-

مكان الاختبار الحاسم أو ما يسمى باللامكان عند كريماص.

وعلى مستوى بنية الزمن، يمكن الاعتماد على تحليلات جيرار جنيت Gérard Genette) )،وذلك بالتركيز على المدة، والترتيب، والتواتر، والاندماج واللاندماج الزمني. ويمكن ، على مستوى الشخصية أو الفاعل، الاستفادة من تعليمات فيليب هامون Philippe Hamon.

2- البنيــــة السطحيــــة:

تستند البنية السطحية إلى مكونين أساسيين: المكون السردي، والمكون الخطابي. يدرس المكون الأول الأفعال والحالات والتحولات، ومنطق الجهات، والبنية العاملية. في حين، يدرس المكون الخطابي الصور من جهة ، ويقارب الحقل المعجمي والحقل الدلالي والأدوار التيماتيكية التي يقوم بها الفاعل من جهة أخرى.

أ- المكـــون الســـردي:

بادئ ذي بدء، يقوم المعنى في النص أو الخطاب على الاختلاف. بمعنى أن المقاربة السيميوطيقية تحاول أن تستكشف بنية الاختلاف ، وذلك عن طريق وصفها ومدارستها والتعرف عليها. ومن ثم، فعلينا دائما داخل المكون السردي أن نحدد مختلف الاختلافات والتعارضات الضدية الموجودة بين العناصر السردية. فحينما نريد دراسة تطور الشخصية مثلا، علينا أن نبرز مختلف حالات هذه الشخصية، وذلك من خلال تقابلها وتعارضها وتضادها داخل السياق النصي أو الخطابي. وبالتالي، فلا معنى بلا اختلاف، وهذا يذكرنا بالاتجاه التفكيكي عند جاك دريدا (J.Derrida) الذي يؤمن كثيرا بفلسفة التفكيك و الاختلاف.

زد على ذلك، فالسردية (la narrativité)هي مجموعة من الحالات والتحولات التي يتعرض لها عنصر ما داخل نص أو خطاب ما. بمعنى أن السردية هي بمثابة تعاقب حالات وتحولات داخل سياق خطابي ما، تكون مسؤولة عن إنتاج المعنى. ومن هنا، فالتحليل السردي هو الذي يهتم برصد تلك الحالات والتحولات داخل النص السردي. ومن هنا، فالمقاربة السيميوطيقية تدرس النصوص السردية التي تتعاقب فيها الأفعال والحالات والتحولات.

الأفعـــال والحالات والتحـــولات:

قبل كل شيء، علينا التمييز في هذا الصدد بين الحالات والتحولات، حيث تتحدد الحالات بوجود فعل الكينونة أو فعل الحالة( كان الكاتب حزينا- لم يكن الكاتب حزينا)، أو بوجود فعل التملك (يمتلك الكاتب سيارة ثمينة- لايملك الكاتب سيارة ثمينة). أما التحولات فتتحقق بوجود فعل" الفعل"(اشترى الرجل أشياء ثمينة).

ومن هنا، فالتحليل السردي يقوم على التمييز بين ملفوظات الحالة وملفوظات الفعل، وذلك من خلال التوقف عند الكلمات والمفردات والعبارات والجمل في صيغها التعبيرية المختلفة داخل النص أو الخطاب السردي المعطى. ولايتم هذا على مستوى نص التجلي الظاهري(niveau de la manifestation)، بل على المستوى المشيد أو المؤسس بنيويا(niveau construit).

هذا، ويتكون ملفوظ الحالة من الذات (sujet) والموضوع(Objet). وبينهما علاقة عاملية. ويعني هذا أن الذات ليست شخصية، وليس الشيء شيئا، بل هما أدوار وعوامل أو ما يسمى بالأدوار العاملية(actants ou rôles actantiels).  وقد يكون ملفوظ الحالة متصلا أو منفصلا على النحو التالي:

1- (

الذات ٨ الموضوع). ويعني هنا علاقة الاتصال بين الذات والموضوع.

2- (

الذات ٧ الموضوع).ويعني هنا علاقة الانفصال بين الذات والموضوع.

ويكون التحول بدوره منفصلا ومتصلا على الشكل التالي:

1- (الذات ٨ الموضوع)(الذات ٧ الموضوع)؛

2- (

الذات٧ الموضوع)(الذات٨ الموضوع).

يلاحظ في المثال الأول أن هناك تحولا من ملفوظ الحالة المتصل إلى ملفوظ الحالة المنفصل.أما في المثال الثاني، فنجد تحولا من ملفوظ الحالة المنفصل إلى ملفوظ الحالة المتصل. وقد يكون ملفوظ الحالة مركبا، كأن يكون هناك موضوع واحد بالنسبة لفاعلين وعوامل متعددين. ففي قصة " الرجل ذي الدماغ الذهبي" لألفونس دوديه، يلاحظ أن هناك مقطعين سرديين، في المقطع السردي الأول: يملك الرجل الذهب، في حين لايملك الآخرون شيئا. أما في المقطع السردي الثاني، لقد أصبح الرجل الغني فقيرا، حيث خسر كل نقوده، لأنه صرفها على والديه، وصديقه، وزوجته. ومن هنا، نرمز للشخص الأول بالفاعل الأول، ونرمز للأشخاص الآخرين بالفاعل الثاني على الشكل التالي:

حالة المقطع الأول:(ذ 1 ٨ مو)

(

ذ2 ٧ مو)

أو:( ذ 1 ٨ مو٧ ذ2)

حالة المقطع الثاني: (ذ 1 ٧ مو)

(

ذ2 ٨ مو)

أو:( ذ 1 ٧ مو٨ ذ2)

ومن هنا:

ف (ذ3) ]( ذ 1 ٨ مو٧ ذ2)( ذ 1 ٧ مو٨ ذ2)]

ويلاحظ أن هناك تنافسا حول الموضوع المرغوب فيه من قبل عاملين: عامل يخسر ذهبه، وعامل يستفيد من ذهب العامل الأول.أي: إن هناك ربحا وخسارة.

وعليه، فمن الأفضل منهجيا- أن يصنف السيميوطيقي مختلف ملفوظات الفعل، فيرتبها بشكل متسلسل سواء أكانت متصلة أم منفصلة، فيبين ملفوظات الحالة البسيطة وملفوظات الحالة المركبة.

منطـــق الجهـــات أو الصيغ:

لا يمكن للمرسل أن يكلف الذات أو الفاعل الإجرائي بتنفيذ الفعل، وإقناعه بأداء المهمة، والتعاقد معه على إنجاز الفعل، إلا إذا توفر ذلك الفاعل على مجموعة من المؤهلات الكفائية، كالمعرفة، والقدرة، والإرادة، والوجوب. وهذه المؤهلات ترد في شكل أفعال وساطية، مثل:

1-

الفتىيحب أن يتصدق بماله.

2-

الفتىيريد أن يتصدق.

3-

الفتىيجب عليه أن يتصدق.

4-

الفتىيقدر على التصدق بماله.

تتوسط الفاعل الإجرائي مجموعة من أفعال الوساطة التي تساهم في تعزيز تجربة الترشيح والتأهيل، لكي يخوض الفاعل الإجرائي والفاعل الوساطي تجربة الاختبار والإنجاز من أجل تحقيق الموضوع المرغوب فيه.

ومن هنا، فقد ميز كريماص بين أربعة أنواع من الملفوظات: الملفوظ السردي البسيط، والملفوظ الصيغي( يريد- يجب- يقدر- يعرف)، والملفوظ الوصفي(ملفوظ الحالة ) سواء أكان ذاتيا (بفعل الكينونة) أم موضوعيا(بفعل التملك)، والملفوظ الإسنادي الذي يحدد علاقة الذات بالموضوع.

البرنامــــج الســـردي:

المقصود بالبرنامج السردي(ب. س) تعاقب الحالات والتحولات التي تقوم على أساس علاقة الذات بالموضوع ، وذلك مع ذكر تحولاتها المختلفة والممكنة. ويعني هذا أن البرنامج السردي يحوي مجموعة من التحولات المبنية والمرتبة. أي : إنها مرتبة بطريقة سببية منطقية ، ومتسلسلة بشكل تعاقبي ممنهج ومنظم بدقة وصرامة. لهذا السبب، نستخدم مصطلح البرنامج. ومن ثم، فهدف التحليل السردي هو أن يصف تنظيم البرنامج السردي، وكيفية اشتغاله، والتعرف على طبيعة تسلسله المنطقي والسببي، وطريقة تنظيمه هيكليا وبنيويا.

هذا، ويتضمن البرنامج السردي (ب.س) أربع محطات أساسية متكاملة ومتضافرة سببيا ومنطقيا، وهي: التحفيز أو التطويعmanipulation ، والكفاءةcompétence ، والإنجازperformance، والتقويم أو التمجيد évaluation. كما يتكون من ثلاثة اختبارات: اختبار ترشيحي يدور حول الفاعل والمرسل، واختبار رئيسي يحصل فيه الصراع الفاصل بين الفاعل الإجرائي والفاعل المضاد، والاختبار التمجيدي تقع خلاله معرفة البطل الحقيقي ومكافأته.

الإنجــــاز:

نعني بالإنجاز كل عملية إجرائية يقوم بها الفاعل الإجرائي، وذلك بإنجاز تحويل لحالة ما. وهنا، نتحدث طبعا عن دور عاملي، لا عن شخصية ما. ومن ثم، يتم التمييز بين فاعل الحالة والفاعل الإجرائي الذي يرتبط بعملية الفعل. وهنا، نتحدث عن ملفوظ الفعل. ونمثل لهذا بالطريقة التالية:

ف (ذ) ](ذ٧مو)(ذ٨ مو)]

وبتعبير آخر:

فاعل (الذات) ](الذات٧الموضوع)(الذات٨ الموضوع)]

ويعني هذا أن الفاعل الإجرائي يقوم بتحويل حالة الانفصال إلى حالة اتصال، والعكس صحيح كذلك.فحرف الفاء يشير إلى الفاعل، أما السهم المشبع بالسواد، فيشير إلى ملفوظ الفعل. وهذا العمل يطبق على مختلف الملفوظات الموجودة في النص ، ولاسيما التي تسمى بملفوظات الحالة.

الكفــــاءة:

يقصد بالكفاءة السيميائية داخل البرنامج السردي مجمل الشروط الأساسية والضرورية لتحقيق الإنجاز الفعلي. ويعني هذا أن الفاعل الإجرائي لا يمكن أن يقوم بأدواره الإنجازية، إلا بالاعتماد على مجموعة من المؤهلات الضرورية سواء أكانت مؤهلات عقلية معرفية أم مؤهلات جسدية أم مؤهلات أخلاقية. ومن ثم، فالفاعل الإجرائي هو الذي يتمثل الواجب، ويمتلك الإرادة والقدرة ومعرفة الفعل المرشح له لأدائه ممارسة وتطبيقا. ومن هنا، ترتكز الكفاءة على أربعة مؤهلات صيغية: المعرفة، والقدرة، والإرادة، والواجب. وينبغي أن نشير هنا إلى أن الموضوع نوعان: الموضوع الرئيس(objet principal) المتعلق بموضوع القيمة، والموضوع الوساطي، أو ما يسمى كذلك بالموضوع الجهي(objet modal) المتعلق بموضوع الوساطة أو الجهة. ويعني هذا أن هناك إنجازا رئيسيا وإنجازا وساطيا أوجهيا أوكيفيا.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى وجود أنواع ثلاثة من الذات: ذات افتراضية وموضوع افتراضي، وذات محينة وموضوع محين، وذات متحققة وموضوع متحقق." إنها ثلاث حالات سردية، الأولى منها سابقة على اكتساب الكفاءة، والثانية تنتج عن هذا الاكتساب، والأخيرة تعين الذات، وقد قامت بالعمل الذي يصلها بموضوع القيمة، ويحقق بذلك مشروعها."

وعليه، فالبرنامج السردي يقوم في جوهره على الإنجاز باعتباره مرحلة ضرورية لتحويل الحالات إلى أفعال إجرائية. ومن ثم، فالإنجاز الإجرائي يستلزم منطقيا عملية الكفاءة، فلا يتحقق الإنجاز في غياب الكفاءة والمؤهلات الضرورية. كما أن الفاعل الإجرائي يخضع لتحفيز من قبل المرسل، مع إقناعه منطقيا ووجدانيا بإنجاز مهمة. وأثناء أداء مهمته، سيخضع عمل الفاعل الإجرائي للتقويم والتقييم، وتأويل عمله وسلوكه إن كان ذلك إيجابيا أو سلبيا. وبالتالي، تسمى أخر مرحلة من مراحل البرنامج السردي بمرحلة التقويم أو التعرف. وهنا، يحضر المرسل كفاعل التأويل (agent d’interprétation) ليقوم مهمة الذات البطلة.

التحفيــــز:

نعني بالتحفيز أو التطويع حمل الفاعل الإجرائي على تنفيذ مهمة ما على ضوء المؤهلات والإمكانيات المتوفرة لدى الفاعل الذات، وغالبا ما يكون التحفيز أو التطويع من قبل المرسل إقناعا وتأثيرا وشرحا. وتكون بين المرسل والفاعل الإجرائي عمليات تعاقدية سواء أكان " العقد إجباريا (contrat injonctif)، كأن يجبر المرسل المرسل إليه بقبول المهمة، وتكون العلاقة هنا علاقة رئيس بمرؤوس. وقد يكون العقد ترخيصيا (contrat permissif)، كأن يخبر المرسل إليه المرسل بإرادته للفعل (الإرادة المنفردة)، فيكون موقف المرسل القبول والموافقة، وفي هذه الحالة يعزم تلقائيا على الإنجاز والفعل. وقد يكون العقد ائتمانيا(contrat fiduciaire) يقوم فيه المرسل بفعل إقناعي يؤوله المرسل إليه، فإن كان الفعل الإقناعي كاذبا يكون الفعل التأويلي واهما مثلما يحدث غالبا عندما يخدع البطل. وبالنسبة لهذا الصنف من العمليات التعاقدية يقبل المرسل إليه خطاب المرسل، ولا يشك في صحته في جميع الحالات. والرسالة هنا تكون دائما ذات طبيعة كلامية ، وتظهر هنا القيمة الإنجازية للخطاب."

وهكذا، نستنتج بأن التحفيز هو أول محطة في البرنامج السردي، وبواسطته يتحقق الإنجاز والتقويم.

التقويــــم :

يأتي التقويم داخل البرنامج السردي بعد الاختبار الترشيحي، والاختبار الحاسم، والاختبار الممجد الذي تقع فيه معرفة البطل الحقيقي، ومكافأته إيجابا أو سلبا. ويعني هذا أن التقويم مبني على معيار الصدق والكذب، والتركيز على الفعل التأويلي وفعل المعرفة. ويعني هذا أننا نصدر أحكاما على فعل الفاعل الإجرائي على ضوء معرفة ما قام به من مهمات: فهل ماقام به هو عمل صادق أو كاذب أو واهم أو بقي سرا من الأسرار؟!! أي: نتحدث هنا عن البعد المعرفي من خلال تقويم نتائج الأفعال على ضوء معيار الصدق والكذب. (صدق الحالات أو كذبها أو وهمها أو خفاؤها).

هذا، ويخضع التقويم للعلاقة التعاقدية المبرمة بين المرسل والذات البطلة . فالعقد" المبرم منذ البداية بين المرسل والمرسل إليه- (الذات) يوجه المجموع السردي، وباقي الحكاية يبدو ،إذاً، كتنفيذ له من قبل الطرفين المتعاقدين، ومسار الذات - الذي يشكل مساهمة المرسل إليه- يكون في نفس الوقت متبوعا بالتقويم التداولي( المكافأة) والمعرفي(الاعتراف) من قبل المرسل.

ونتيجة لذلك يكون عمل الذات مؤطرا بمقطعين تعاقديين: إقامته وإجازته واللذان يتبعان هيئة عاملية غير الذات: نقول بأنه يوجد بداية هيئة إيديولوجية للإعلان عن الحدث وفي النهاية هيئة جيدة لتفسيره ومماثلته مع الكون القيمي الذي تتحكم فيه."

ويعني كل هذا أن التقويم هو تثمين لعمل الذات البطلة وتمجيد لمهماتها، أو قد يكون قدحا مشينا في ما قامت به من أفعال وأعمال لا ترضي المرسل على ضوء ما تم إبرامه من عقود مشتركة.

ملاحظات تتعلق بالبرنامج السردي:

يلاحظ من كل هذا أن محطات البرنامج السردي( التحفيز- والكفاءة- والإنجاز- والتقويم) مترابطة سببيا ومنطقيا، فكل محطة تؤدي إلى محطة لاحقة بشكل تراتبي وممنهج. و ينبغي على الباحث السيميوطيقي ، عند استحصال محطة واحدة من البرنامج السردي، أن يبحث عن باقي المحطات السردية الأخرى، فيستكملها بشكل كلي وشامل حتى تتضح الرؤية السردية والوصفية. ويمكن توضيح البرنامج السردي في هذه الخطاطة التالية:

التحفيز-manipulation

الكفاءة

compétence

الإنجاز performance

التقويم sancation

الحث على الفعل

تأهيل الفعل

تنفيذ الفعل

الحكم على الفعل

علاقة المرسل بالفاعل الإجرائي

علاقة الفاعل الإجرائي بالعمليات التأهيلية أو الوساطية أو الجهية

علاقة الفاعل الإجرائي بمواضيع القيمة

-

علاقة المرسل بالفاعل الإجرائي.

-

علاقة المرسل بفاعل الحالة.

وهكذا، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن أول خطوة سيميوطيقية نبدأ بها هي التحليل السردي، من خلال الاستعانة بلغة وصفية تنتمي إلى النحو السردي، وذلك بالتركيز على المكون السردي، وتتبع الخاصية السردية ، ومدارسة الأفعال والحالات والتحولات، ومدارسة البرنامج السردي عبر محطاته الأربع: التطويع، والكفاءة، والإنجاز، والتقويم. وقد بينا أن الكفاءة تتضمن أربعة مؤهلات أساسية، ألا وهي: الواجب، والإرادة، والقدرة، والمعرفة. وهنا، يمكن الحديث عن جهات الإمكان(الواجب والإرادة)، وجهات التحيين والتنفيذ(القدرة والمعرفة). وبما أن الفاعل نوعان: فاعل الحالة والفاعل الإجرائي، فإن الموضوع بدوره نوعان: موضوع القيمة، وموضوع الجهة. ويمكن كذلك الحديث عن البرنامج السردي المضاد الذي يقوم به البطل أو الفاعل المعاكس أو الذات المضادة لتقويض البرنامج السردي الذي يقوم به الفاعل الإجرائي من أجل تحصيل الموضوع المرغوب فيه.

وعلى أي حال، فالتحليل السردي يقوم على مبدأين أساسيين، وهما: مبدأ التقابل أو التضاد المبني على المحور الاستبدالي أو البراغماتي (محور التعويض والانتقاء)، ومبدأ التعاقب أو التتابع أو التسلسل القائم على المحورالتركيبي (الترابط المنطقي).

البنيـــة العامليـــة:

ترتكز البنية العاملية على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في محور التواصل، والذي يشمل المرسل والمرسل إليه، ومحور الرغبة ، والذي يتضمن الذات والموضوع ، ومحور الصراع ، والذي يتقابل فيه المساعد والمعاكس.

ومن المعلوم أن العامل هنا لا يعني الشخصية فقط، بل هو مفهوم شامل قد يعني المؤسسات والقيم والأفكار والفضاءات والأشياء والحيوانات وغيرها من المفاهيم المجردة، كالسعادة، والجهاد، والإسلام...

وتتسم البنية العاملية بكونها بنية عامة ومجردة يمكن تعميمها على الكثير من الظواهر والنصوص والخطابات، وترتبط هذه البنية العاملية بشكل وثيق ومتصل بالبرامج السردية التي تنبني عليها القصة. ومن هنا،" فإن البرامج السردية هي وحدات سردية تنبثق عن تركيب عاملي قابل للتطبيق على كل أنواع الخطابات."

وتتوضح البنية العاملية بشكل جلي من خلال هذا المثال التبسيطي الذي يوضح مسار الرسالة النبوية الشريفة:

ذات الرسول (صلعم)

موضوعنشر الرسالة

المرسلالله

المرسل إليهالإنسانية كافة

المساعدالمهاجرون والأنصار

المعاكسالكفار

وإليكم مثالا آخر يتعلق بفتح الأندلس:

ذاتطارق بن زياد

موضوعفتح الأندلس

المرسلالجهاد

المرسل إليهالمسلون

المساعدالإيمان والتقوى والجيش البربري

المعاكسلذريق وجيوشه.

ولايمكن الحديث عن البنية العاملية إلا في علاقة مع الأفعال والحالات والتحولات والبرنامج السردي في شكل تصور كلي ورؤية شاملة.

ب- المكــــون الخطابــــي:

يدرس المكون الخطابي كل ما يعلق بالتيمات الدلالية ووحدات المضامين، وذلك بالانتقال من الصورة أو الليكسيم إلى المسار التصويري ثم إلى التشكلات الخطابية ، وذلك " وفق سلسلة من الإرغامات التي يفرضها الإطار الثقافي العام الذي أنتج داخله النص السردي."

الصـــورFigures :

الصور هي مجموعة من اللكسيمات التي ترد داخل النص أو الخطاب، وقد تتحدد بدلالاتها المعجمية أو بدلالاتها السياقية. ويعني هذا أن الصورة " تحتوي عموما على مضمون ثابت يحلل إلى عناصره الأولية. قد تبرز انطلاقا من نواة المضمون، أنواع أخرى من التحقيقات، وذلك من خلال الاستعمالات المختلفة للصورة. نطلق مصطلح المسار السيمي على الإمكانات المحققة. بناء على ما تقدم، تعتبر الصورة وحدة من المضمون الثابتة والمحددة بواسطة نواتها الدائمة حيث تتحقق الافتراضات بشكل متنوع حسب السياقات.

ينبغي أن نعتبر الصورة كتنظيم للمعنى الافتراضي المحقق بشكل متنوع حسب السياقات. هذا يقودنا إلى تصور الصورة في جانبيها التاليين:

-

المعجم: يمكن أن تحدد كل الدلالات الممكنة للصورة وكل مساراتها الممكنة كمجموعة منظمة من المعاني.هذا العمل موجود في قاموس اللغة، والصورة هنا يتم فهمها من المنظور الافتراضي.

-

الاستعمال: تحدد الصورة حسب الاستعمال الذي يمارس على الملفوظات والخطابات التي تستغل جانبا من الجوانب الممكنة للصورة. الصورة هنا يتم فهمها في الجانب المحقق.هكذا، نرى أن الجانب الافتراضي يحيل على الذاكرة، والجانب المحقق على الخطاب."

ويعني هذا أن هناك الصورة المعجمية القاموسية المبنية على الذاكرة اللغوية، والصورة الدلالية السياقية المبنية على الاستعمال والتحقق النصي والسياقي. وبتعبير آخر، هناك ما يسمى بصورة التعيين(صورة الكلمة التقريرية الحرفية المباشرة) وصورة التضمين(صورة الكلمة الموحية الاستعارية والمجازية).

الحقـــل المعجمي:

يعتمد الحقل المعجمي على استخلاص الوحدات الدلالية التي تنتمي إلى معجم معين، وذلك بالتركيز على الأفعال والأسماء والعبارات والملفوظات التي تشكل معجما معينا، مثل: معجم الصحة (الطبيب، المريض، الأدوية، فحص، أجرى عملية...)، ومعجم الرياضة( كرة القدم، يلعب، العدو الريفي..)، ومعجم الطبيعة (الليل، والنهر، والمساء، والرعد، والمطر...)...ويعني هذا أن :" نقوم باستخراج المفردات التي تبدو لنا أساسية في إبراز الدلالة بعد قراءة النص عدة مرات، نضعها في جداول مجمعة وفق مقولات دلالية معممة إلى أقصى حد ممكن، ودقيقة بقدر الإمكان في تعيينها للمعنى الإجمالي المستفاد من النص. سوف يكون مفتاحنا في مثل هذه العملية مبدأ التشابه والتخالف. يقوم المبدأ الأول على علاقة انضوائية، بينما يتأسس المبدأ الثاني على تعارضات نسبية. تجدر الإشارة إلى أن تحديد المعنى المتعلق بكل مفردة مستخرجة من النص يتم وفقا لدلالتها في السياق النصي."

هذا، وما يلاحظ على الحقل المعجمي أنه حقل قاموسي ليس إلا، بمعنى أن الكلمات تحدد من خلال معانيها اللغوية كما وردت في المعجم أو القاموس اللغوي بأبعادها الحرفية والمباشرة.

الحقــــل الدلالي:

يتحدد الحقل الدلالي ، وذلك بعد استكشاف الحقول المعجمية، بدراسة الكلمات في سياقاتها النصية والخطابية، بعيدا عن التفسيرات المعجمية والقاموسية، بمعنى أن دلالات الكلمات تستكشف داخل سياقاتها النصية والذهنية والتأويلية والثقافية. وبتعبير آخر، فبعد الانتهاء من تصنيف مجموع المفردات المستعملة وفق مقولات دلالية متسعة(حقول معجمية) تضم كل منها مجموعة من المفردات والعبارات ، ننتقل إلى الملفوظات السياقية الخاصة التي تشكل الحقل الدلالي(معجم المعاني). وبطبيعة الحال، يستند الحقل الدلالي مثل الحقل المعجمي إلى مجموعة من العلاقات كالتضاد والاختلاف والترادف...

الأدوار التيماتيكيـــة:

يقصد بالأدوار التيماتيكية مجموعة من الوظائف السردية التي يقوم بها الفاعل التيماتيكي ، وهي أدوار اجتماعية وثقافية ومهنية وأخلاقية ونفسية واجتماعية. وتقوم هذه الأدوار كذلك بتفريد الممثل، وتشخيصه إنسانيا باسم العلم الخاص، في حين يبقى العامل كائنا عاما ومجردا . ومن المعلوم أن الفاعل يشتغل على مستويين ، المستوى الخطابي باعتباره فاعلا أو ممثلا يؤدي أدوارا تيماتيكية، أو على مستوى البنية التركيبية أو السردية باعتباره عاملا يؤدي مجموعة من الأدوار العاملية. ويعني هذا أن هناك نوعين من الأدوار: أدوار معجمية غرضية يؤديها الفاعل على مستوى الخطاب، وأدوار عاملية يؤديها العامل على مستوى المكون السردي أو التركيبي. وفي هذا الصدد يقول جوزيف كورتيس:" إن الممثل لايختزل في المكون الخطابي فقط: فباعتباره داخلا في الحكاية فإنه يأخذ وضعه في التنظيم التركيبي أيضا. في هذا الأفق، يظهر الممثل كمجال لالتقاء وارتباط البنيات السردية والبنيات الخطابية للمكون النحوي والمكون الدلالي، لأنه مكلف في نفس الوقت على الأقل بأداء دور عاملي وعلى الأقل بدور غرضي يدققان كفاءته وحدود فعله أو كينونته.إنه في نفس الوقت مجال لاستثمار هذه الأدوار ولكن أيضا لتحويلها."

هذا، وإذا كانت البنية التركيبية بنية عامة ومجردة وكونية، فإن البنية الخطابية خاصة. ويعني هذا أنه يتم :" الانتقال من البنيات السردية كهيكل عام ومجرد، إلى ما يشكل غطاء لهذه البنيات السردية ويمنحها خصوصيتها وتلوينها الثقافي، أي البنيات الخطابية، وذلك وفق المبدإ القائل بتبعية المكون الخطابي للمكون السردي."

ويعني هذا أننا ننتقل من بنية التعميم والتجريد، وذلك مع بنية العوامل والمكونات السردية، إلى بنية التخصيص مع الفاعل وأدواره الغرضية.

3- البنيـــة العميقــــة:

تنبني البنية العميقة من جهة على دراسة السيمات النووية السيميولوجية ودراسة السيمات السياقية الدلالية، والتركيز على التشاكل الدلالي والسيميائي. ومن جهة أخرى، تدرس البنية العميقة ما يسمى بالمربع السيميائي أو النموذج الدلالي والمنطقي التأسيسي.

أ- المستـــوى الـــدلالي:

ينبني المستوى الدلالي على دراسة المكونات الخطابية على مستوى البنية العميقة، وذلك من خلال التركيز على السمات السيميولوجية والسيمات الدلالية، ودراسة التشاكل الدلالي والسيميولوجي على حد سواء.

السيمات السيميولوجية:

نعني بالسيمات السيميولوجية تقسيم اللكسيمات السياقية إلى مجموعة من المقومات أو السمات الجوهرية والعرضية التي تتكون منها الصورة الدلالية أو السياقية، كما كان يفعل رومان جاكبسون (R.Jackobson) مع الأصوات ، وذلك باستعمال الموجب والسالب، كما يتضح لنا ذلك بجلاء في مثالنا هذا: " الرجل ينبح".

-"

الرجل":/ حي/+/مذكر/+/عاقل/+/بالغ/

- "ينبح

":/فعل/+/ صوت/+/حي/+ /يسند إلى حيوان/-/عقل/

وهكذا، فقد فككنا الصورتين أو الليكسيمين إلى مجموعة من السمات النووية أو المقومات الجوهرية والعرضية. وبالتالي، فهما يتشاركان في صفة الحياة، ويختلفان في الكثير من الصفات المميزة، وخاصة صفة العقل.

السيمات الدلالية:

نعني بالسيمات الدلالية المقولات التصنيفية أو المقولات الفكرية والكونية الخارجية التي تحدد مجموعة من السيمات السيميولوجية أو النووية. وتحيل هذه السيمات المقولاتية التصنيفية على القيم الكونية والإيديولوجيا النصية. ففي المثال السابق، يمكن الحديث عن مقولتين: /إنساني/ +/حيواني/. ويمكن الحديث في أمثلة نصية أخرى عن الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والأخلاقي والجنس، وغير ذلك من مقولات فكرية تصنيفية يستوجبها التحليل السيميائي للسيمات النووية والسياقية.

بنيـــة التشاكــل:

يقصد بالتشاكل مجموعة من السيمات السياقية أو الكلاسيمات المتكررة والمترددة بشكل متواتر داخل خطاب أو نص ما، وهو الذي يحقق انسجام النص، ويزيل عنه غموضه وإبهامه الدلالي. ويعني هذا أن التشاكل بمثابة تكرار لوحدات دلالية ومعنوية وتيماتيكية تشكل أهم تمفصلات النص .أي: إن التشاكل هو قطب دلالي متداخل ومتقابل. ومن هنا، فالتشاكل نوعان: تشاكل دلالي وتشاكل سيميائي. فالتشاكل السيميائي هو الذي يقوم على تواتر السيمات النووية أو المقولات النووية، مثل:

-

صورة" الفرح"

-

السيمات النووية: /إحساس/+/شعور/+/الرضا/+/ إيجابي/+/فعالية/

في حين يقوم التشاكل الدلالي على المقولات التصنيفية أو التصنيفات المادية الكونية أو التصنيفات الفكرية والذهنية الفلسفية الخارجية أو تواتر المقولات الكلاسيماتيكية، مثل:

/

اقتصادي/+/ إنساني/+/طبيعي/+/جنس/...

ب- المستـــوى المنطقــي:

يتمثل المستوى المنطقي من التحليل السيميائي بكل جلاء في المربع السيميائي، و الذي يعد بمثابة جهاز منطقي صرفي يحوي مجموعة من العلاقات المنطقية المضمرة، كعلاقات التناقض، وعلاقات التضاد، وعلاقات التضمن. وهذه العلاقات هي التي تحرك النص فعلا على مستوى الظاهر والسطح. ومن هنا، يسمى المربع السيميائي بمربع الصدق.

المربع السيميائي:

تنبني البنية العميقة من جهة على دراسة السيمات النووية السيميولوجية ودراسة السيمات السياقية الدلالية، والتركيز على التشاكل الدلالي والسيميائي. ومن جهة أخرى، تدرس البنية العميقة ما يسمى بالمربع السيميائي أو النموذج الدلالي والمنطقي التأسيسي. ويسمى كذلك بمربع الصدق، والذي يستلزم مجموعة من العلاقات التقويمية كالصدق والكذب والوهم والسر، بالإضافة إلى التحكم في ثنائية الكينونة والظهور. ويعني هذا أن المربع السيميائي هو الذي يحدد علاقات النص الصادقة والكاذبة والواهمة والسرية.

هذا، ويقوم المربع السيميائي على استكشاف البنيات الدلالية البسيطة المولدة لمختلف التمظهرات السطحية للنص. كما يتضمن المربع السيميائي علاقات التضاد وشبه التضاد، وعلاقات التناقض، وعلاقات التضمن والاستلزام اتصالا وانفصالا. ويشكل المربع السيميائي كذلك جملة من الأزواج الدلالية البسيطة التي تشكل العالم الدلالي الإنساني.وبالتالي، " فالمربع السيميائي ليس إلا البنية الأصولية للدلالة حين تستعمل كشكل لتنظيم الجوهر الدلالي"

وهكذا، يمكن تصور المربع السيميائي :" كمعطى ثابت منظم على أساس العلاقات الأصولية (تضاد- تناقض- تضمن). لكن يمكن تصور الدلالة ككيان متحرك ينتج عنه توليد المعاني وتحريك المربع السيميائي. فالتناقض كعلاقة شكلية أو منطقية (على مستوى الصرف) تصلح لبناء أزواج دلالية متناقضة العناصر يصبح عملية قصصية أو دلالية (على مستوى التركيب) يترتب عنها نفي عنصر وإثبات أو إقرار عنصر آخر(هو في الواقع نقيض العنصر المرفوض أو المنفي). وإذا طبقت هذه العملية على مربع علامي مشحون بالقيم ينتج عنها حتما نفي بعض الدلالات الواردة وإبراز دلالات أخرى بصيغة الإيجاب والجزم.

وعلى ضوء هذه الاعتبارات نستطيع أن نضع لبنة أولى لتعريف علم التركيب القصصي، إذ يتمثل هذا الأخير في تحريك المربع السيميائي وفي تغيير المعاني المدرجة ضمن محاوره."

هذا، ويهدف المربع السيميائي إلى تقديم صورة العالم ضمن شبكات دلالية إيديولوجية قائمة على التعارض والاختلاف، وتتحدد إيديولوجيا النص من الداخل النصي لا من خارجه، وذلك عبر استخلاص التشاكلات الممكنة والبنيات الدلالية البسيطة الثاوية في المربع السيميائي. بمعنى أن تحريك المربع السيميائي :" يكون بتوجيه العمليات في إطار سلاسل منطقية تنتج عنها إيديولوجية النص.أي تغيير المضامين والقيم حسب علاقات ومسار معين.

وخلاصة القول: إن النحو الأصولي يرتكب من صرف أصولي يقوم على المربع السيميائي ذي العلاقات الثابتة، ومن تركيب أصولي يقوم بتوجيه وتنظيم العمليات المغيرة للمضامين الأولى سواء بالنفي أو بالإقرار، بالفصل أو بالضم. وبما أن هذه العمليات الموجهة تحدث في إطار المربع السيميائي فهي من جراء ذلك قابلة للتوقع وللإحصاء ، وبالإضافة إلى شكلها الموجه تكون هذه العمليات منظمة في سلاسل ومكونة لسياقات يمكن تقسيمها إلى وحدات تركيبية. وعلى هذا الأساس اهتم كريماص بتصنيف الملفوظات السردية، ثم عمل على إبراز حقيقة الوحدة أو المقطوعة السردية."

وعليه، فالمربع السيميائي بنية دلالية منطقية تقع في المستوى العميق، وهو بمثابة نموذج تأسيسي ينظم دلالة النص والخطاب سطحا وعمقا.

4- المسار المنهجي للتحليل السيميوطيقي:

تعتمد المقاربة السيميوطيقية تطبيقا وممارسة على مجموعة من المراحل المنهجية المتكاملة فيما بينها، ويمكن تحديدها في الخطوات التالية:

تحديد المقاطع والمتواليات السردية:تتحدد المقاطع السردية بواسطة مجموعة من المعايير السيميائية، كالمعيار الحدثي، والمعيار البصري، والمعيار الفضائي، والمعيار الأسلوبي، والمعيار الدلالي...وبعد ذلك، يتم تقسيم المقاطع إلى ملفوظات الحالة وملفوظات الأفعال، وترصد مختلف التحولات التي تستند إليها مختلف البرامج السردية الموجودة في النص،وذلك في علاقتها بالبنية العاملية والبنية التيماتيكية، وصولا إلى البنية العميقة حيث التشاكل والمربع السيميائي. ومن المعلوم أن كل مقطع سردي يقوم على مقياسين: مقياس وظائفي(مجموعة متكاملة من الأحداث)، ومقياس أسلوبي وتعبيري.

تحليل مظهر الخطاب: تدرس مختلف التمظهرات الأسلوبية على مستوى سطح النص، كدراسة العتبات والبنية الفضائية، ودراسة الشخصيات، ودراسة اللغة والأسلوب.

تحليل المكون السردي: يعتمد على دراسة الأفعال والحالات والتحولات اتصالا وانفصالا، والتركيز على البرامج السردية تحفيزا وكفاءة وإنجازا وتقويما.

تحليل البنية العاملية: يتم التركيز هنا على عناصر التواصل العاملي (المرسل والمرسل إليه، والذات والموضوع، والمساعد والمعاكس)، والاهتمام بمختلف العمليات التعاقدية الموجودة بين المرسل والمرسل إليه، واستكشاف محاور البنية العاملية (محور التواصل ومحور الصراع ومحور الرغبة).

تحليل المسار الغرضي: يرتكز المسار الغرضي أو المسار المتعلق بالأغراض على إبراز المعاني والأدوار الدلالية والأحداث وفق المسار السردي(قبل(الوضعية الافتتاحية) – وأثناء (اضطراب وتحول وحل)- وبعد (وضعية نهائية)) . ويمكن تقسيمه إلى محاور متداخلة كالمحور المعجمي، والمحور الدلالي، والمحور السيميولوجي، ومحور التشاكل. وكل هذا من أجل الحصول على صورة العالم.

التحليل المنطقي: يعنى بتحديد البنية الدلالية المنطقية العميقة للنص أو الخطاب، وذلك من خلال التركيز على المربع السيميائي وعملياته وعلاقاته الدلالية والمنطقية.

تركيب واستنتاج:

وهكذا، نصل إلى أن المقاربة السيميوطيقية هي منهجية تحليلية تقوم على لعبة التفكيك والتركيب، وتبحث عن المعنى وراء بنية الاختلاف، وتحاول تصيد الدلالة سطحا وعمقا،مرورا بالتمظهرات النصية المباشرة. ويلاحظ أن التحليل السيميوطيقي مثل النحو الكلي يبحث عن البنيات المنطقية والدلالية البسيطة التي تولد مختلف النصوص والخطابات اللامتناهية العدد، وذلك بالانتقال من بنية العمق إلى بنية السطح، وذلك عبر مجموعة من التحويلات الصرفية والتركيبية والدلالية القائمة على الحذف والتوسيع والاستبدال والزيادة ...ومن هنا، فلابد للمحل السيميائي أثناء تطبيق المنهج السيميائي أن يراعي مجموعة من الخطوات المحورية، والتي يمكن حصرها في مرحلة التحليل السردي، ومرحلة التحليل العاملي، ومرحلة التحليل الغرضي( الحقل المعجمي، والحقل الدلالي، والأدوار المعجمية، والتشاكل بنوعيه: الدلالي والسيميولوجي)، ومرحلة التحليل المنطقي، وذلك بتشغيل المربع السيميائي.



Add a Comment