المظلة

إبداع ونقد

القصة القصيرة جدا في ضوء النقد

محمد العزازمة
اعن الدستور

الميلاد والنشأة.

يعدُّ آرنست همنجواي أول من أطلق مصطلح "القصة القصيرة جداً" على إحدى قصصه عام م1925 ، إذ كتب قصة قصيرة ، جداً ، تتألف من ست كلمات فقط: هي: "للبيع ، حذاء لطفل ، لم يلبس قط". وكان يعدها أعظم ما كتب في تاريخه الإبداعي. وكان صدور كتاب انفعالات للفرنسية ناتالي ساروت ، عام 1938 ، فاتحة أولى أثارت الجدل حول فن سرديّ جديد أقرب ما يكون إلى فن القصة القصيرة ، وأول ترجمة عربية للكتاب كانت على يد الباحث المصري فتحي العشري عام 1971م. ثمّ تناوبت الدراسات والمقالات التي تتناول القصة القصيرة ، جداً ، على تسمية كتاب "انفعالات" لنتالي ساروت بالقصص القصيرة جداً. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى مترجم كتاب "انفعالات" ، الذي وضع عنوان الكتاب "قصص قصيرة جداً".



ويرى الناقد العراقي نجاح الجبيلي أنّ الكاتبة الفرنسية ساروت لم تقصد أن يكون كتابها قصصاً قصيرة ، جداً: إذ لم يتبلور هذا الصنف ، حينذاك ، في الغرب ، ولم يكن معروفاً في التراث القصصي الفرنسي ، بل إن الكتاب ، حين انتشر في الغرب ، كان يطلق عليه مسميات عديدة من مثل: "القصة الومضة" ، و"القصة الصدمة" ، وغيرها ، ما يؤكد أن"انفعالات" ليست قصصاً قصيرة جداً. ويذهب الكاتب نهاد التكرلي إلى تسمية "انفعالات" بـ"لرواية" ، في قوله: "كذلك نتالي ساروت التي يعود تاريخ روايتها "انتحاءات" إلى عام 1938".

ويرى الناقد نجم عبدالله كاظم أن القصة القصيرة جداً أول ما تتسم به هو صفة القصر ، بما يعني اختلافها عن الرواية في البعد الذي أطلق عليه أرسطو الحجم ـ وإن كان القصر ليس عاملاً رئيساً في تحديد هذا المصطلح.

وأطلق القاص المصري يوسف الشاروني على بعض قصصه تعبير قصص في دقائق ، بمعنى: أن قصصه هذه أكثر قصراً من القصص القصيرة الاعتيادية ، وبالتالي ، فهي لا تحتاج إلا إلى ذلك الوقت القصير لقراءتها. ومن قصصه: العشاق الخمسة م1954 ، رسالة إلى امرأة م1960 ، الزحام م1969 ، والكراسي الموسيقية وغيرها.

ويورد الناقد العراقي هيثم بهنام بردى ، في مقالة له بعنوان "قصاصون سريان: نكتب على موقد النار" أن القاص العراقي نوئيل رسام هو أول من أطلق مصطلح قصة قصيرة جداً عام 1930 على بعض قصصه التي نشرها في مجلة "البلاد" العراقية.

أما تجربة القاص اللبناني توفيق يوسف عواد ، فتشير إلى أنه أصدر مجموعته القصصية "العذارى" عام م1944 ، وضمت قصصاً قصيرة جداً ، غير أنه أطلق عليها اسم: "حكايات" .

ويرجع الناقد باسم عبد الحميد حمودي بداية ظهور هذا الفن إلى بداية الأربعينيات من القرن الماضي ، إذ نُشرت قصص قصيرة جداً ، ثم تلاحقت التجارب حتى بلغت درجة كبيرة من النضج الفني في مرحلتي: الستينيات والسبعينيات. ويذكر أن بثينة الناصري ، من العراق ، نشرت مجموعتها "حدوة حصان" ، الصادرة عام م1974 ، وأطلقت على إحدى قصصها إسم: "قصة قصيرة جداً" ، ثمّ نَشَرَ القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جداً ضمن مجموعته "القطار الليلي" الصادرة عام م1975 ، ثم تلاه عبد الرحمن مجيد الربيعي ، ثمّ جمعة اللامي وأحمد خلف وإبراهيم أحمد.

أما الناقد حسين علي محمد ، فيردُّ القصة القصيرة جداً إلى أصول تراثية ، ويرى ظهور هذا الفن تطويراً لفن الخبر في التراث العربي القديم ، بخاصة تلك الأخبار التي كانت تجمع بين السخرية والمُفارقة ، ومنها ما جاء في كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي ، ويذكرعدداً من الأمثلة ومنها هذا النموذج: "حُكي أن أحمقيْنً اصطحبا في طريق ، فقال أحدهما للآخر: تعالَ نتمنَّ على الله ، فإنَّ الطريقَ تُقطعُ بالحديث.

فقال أحدُهما: أنا أتمنّى قطائع غنم أنتفعُ بلبنًها ولحمها وصوفًها.

وقال الآخر: أنا أتمنّى قطائعَ ذئابْ أرسلُها على غَنمًكَ حتى لا تتركَ منها شيئاً.

قال: ويحكَ، أهذا من حقًّ الصحبةً وحُرمة العشرةً؟ فتصايَحا ، وتَخَاصَما ، واشتدّت الخصومةُ بينهما حتى تماسكا بالأطواق ، ثمَّ تراضَيَا أنَّ أولَ منْ يطلعُ عليهما يكونُ حكَماً بيْنهما ، فطلع عليهما شيخّ بحمارْ عليهً زقَّانً منْ عسل ، فحدّثاه بحديثًهما ، فنزل بالزّقّين وفتحهما حتى سال العسل على التراب ، وقال: صَبَّ اللهُ دمي مثلَ هذا العسلً إنْ لمْ تكونا أحمقين،".

ويرى أن هذا الفن ظهر بعد سقوط الإيديولوجيات الكبرى ، ، ليعبر عن الإنسان العربي العادي (الذي كان يعبر عنه الخبر في التراث) ويؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها الكتابة الصادقة ، التي تتشوق للعدل والحرية ، وتنحاز إلي المظلومين والهامشيين ، وتحاول أن تغمس مدادها في جراح مجتمعها لتكشف عن الأدواء السياسية والاجتماعية التي تستشري ، وتصور الهامشيين الذين آن لهم أن ينتصفوا في شعرية شفيفة ، أو سخرية مُخادعة تستطيع أن تنجو بهما ، دائماً ، من القمع والمصادرة.

المصطلح

مصطلح القصة القصيرة جداً يتمحور حول مفهوم القصر: القصة تؤكد أسماء كثيرة مثل: أقصوصة ، ومضة ، حكاية ، شذرة ، مشهد ، لقطة ، ثم يتبعها كلمة(قصيرة). ويبدو أنّ القصر والسرعة هما سمتا هذا العصر. وعليه ، يمكن أن ينعكس الأمر على القول السردي ، كما أن الأدب نفسه ، وعبْر تاريخه الطويل ، كان ـ وما يزال ـ في صراع دائم مع الأشكال والأنواع والقوالب والإطارات ، بغية تجديد نفسه وتحسين أدائه. ويمكن الملاحظة أن القصة القصيرة جداً تعتني أكثر من غيرها من أشكال الأدب بالتكثيف ، والقصر ، والإيجاز ، والحذف ، والإضمار والإيحاء ، والتناص ، والتخريف الأسطوري ، والمفارقة ، والأسلبة ، والباروديا ، والسخرية والفانطاستيك ، وتشغيل المستنسخات ، واستخدام التوتر الدرامي ، وتراكب الجمل ، والإدهاش ، والانزياح ، والجرأة والتشويق ، والتلغيز ، والشاعرية ، والقصصية ، وتخييب أفق انتظار القارئ ، والتفنن في التلوين الترقيمي.

وربما هذه الأشكال تبدو أكثر قدرة على تحديد جنس القصة القصيرة جدا ، ذلك أنه من الصعب أن تظهر ، في أي جنس أدبي آخر ، بالوضوح ذاته ، كما في القصة القصيرة جداً.

موقف النقد

يرى الناقد جميل حمداوي أن مواقف النقاد من القصة القصيرة جداً انحصرت في ثلاثة مواقف مختلفة ، وهي المواقف ذاتها ، التي أفرزها الشعر التفعيلي ، ثم قصيدة النثر ، بل يفرضها كل مولود أدبي جديد وحداثي ، ما يترتب عن ذلك ظهور مواقف محافظة تدافع عن الأصالة وتتخوف من كل ماهو حداثي وتجريبي جديد ، ومواقف النقاد الحداثيين الذين يرحبون بكل الكتابات الثورية الجديدة التي تنزع نحو التغيير والتجريب والإبداع والتمرد على كل ما هو ثابت ، ومواقف متحفظة ، في آرائها وقراراتها التقويمية ، تشبه مواقف فرقة المرجئة في علم الكلام العربي القديم ، تترقب نتائج هذا الجنس الأدبي الجديد ، وكيف سيستوي في الساحة الثقافية العربية ، وماذا سينتج عن ظهوره من ردود فعل ، ولا تطرح رأيها بصراحة إلا بعد أن يتمكن هذا الجنس من فرض وجوده ، ويتمكن من إثبات نفسه داخل أرضية الأجناس الأدبية وحقل الإبداع والنقد.

ويرى الناقد جميل حمداوي أن هناك من يرفض فن القصة القصيرة جداً ، ولا يعترف بمشروعيته: لأنه يعارض مقومات الجنس السردي بكل أنواعه وأنماطه ، وهناك من يدافع عن هذا الفن الأدبي المستحدث ، تشجيعاً وكتابة وتقريضاً ونقداً وتقويماً: قصد أن يحل هذا المولود في مكانه اللائق به بين كل الأجناس الأدبية الموجودة داخل شبكة نظرية الأدب. وهناك من يتريث ولا يريد أن يبدي رأيه ، بكل جرأة وشجاعة ، وينتظر الفرصة المناسبة ليعلن رأيه ، بكل صراحة ، سلباً أو إيجاباً. ويؤكد الناقد حمداوي أنه يعترف بهذا الفن الأدبي الجديد ، ويعدّه مكسباً مهماً لا غنى عنه ، وأنه من إفرازات الحياة المعاصرة المعقدة ، التي تتسم بالسرعة والطابع التنافسي ، المادي والمعنوي ، من أجل تحقيق كينونة الإنسان وإثباتها بكل السبل الكفيلة لذلك.

ويؤكد الناقد جميل حمداوي أن دراسات كثيرة انصبت على فن القصة القصيرة جداً ، بالتعريف والدراسة والتقويم والتوجيه ، ومن أهمها كتاب أحمد جاسم الحسين "القصة القصيرة جداً:1997م" ، وكتاب محمد محيي الدين مينو "فن القصة القصيرة ، مقاربات أولى: 2000م" ، من دون نسيان الدراسات الأدبية القيمة التي تصدى لها كثير من الدارسين العرب ، من مثل: حسن المودن في مقاله القيم: "شعرية القصة القصيرة جداً" ، المنشور في عدة من مواقع رقمية إلكترونية: كدروب والفوانيس ، ومحمد علي سعيد في دراسته "حول القصة القصيرة جداً" ، وحسين علي محمد في "القصة القصيرة جداً ، قراءة في التشكيل والرؤية" ، وعدنان كنفاني في"القصة القصيرة جداً ، إشكالية في النص أم جدلية حول المصطلح" ، ويوسف حطيني في "القصة القصيرة جداً عند زكريا تامر" وغير ذلك من الدراسات النقدية.

ويرى الناقد عبد الغني فوزي أن بنية القصة القصيرة جداً هي بنية غير ثابتة أو نمطية ، وفي المقابل ، فإنها زئبقية منفتحة على الشعر ، والأساطير وفن المقال. غير أن لكل منهجه في التكثيف والقصر. وعليه ، فالقصة تأخذ من الشعر انزياحه لتصوبه اتجاه مكونات سردية ، فيحصل التبئير وتقضيم تلك المكونات. وهو ما يخلق المشهدية ، في سبك حكائي يسعى لتقديم النواة عوض التجليات. كما أن شكلها البصري ، وسرعتها الداخلية قد يخلقان مجانية منتظمة بخيط درامي متنامْ ، تبعاً لعنف الحالة أو المشهد.. إنه خيط درامي قد يفيض على القصة القصيرة جداً ، ويسقط في ذاك البياض الذي لا يقال ليخبر ، بل يمتد في أسفل ليشد هذه القصة لنواة ما على قدر كبير من الإماءة والإشارة الذكيتين.

وترى هيام عبدالهادي أن القصص القصيرة جداً هى قصص تميل إلى التجديد من خلال الجملة المكثفة ، واللغة الشاعرية ، وبذلك يمكن ، فى بضع أسطر ، قول ووصف ما يفرد له صفحات ، عن طريق جمل قصيرة موحية دالة ، تترك للقارئ ليتصور ، ويجول بخياله ويضع الكلام المسكوت عنه.

كما جرت مقاربة القصة القصيرة جداً بمفاهيم النقد الروائي ، أو بمكونات القصة القصيرة ، أو على ضوء مناهج نقدية تأويلية خارجية: كالمنهج النفسي ، أو المنهج الاجتماعي ، أو المنهج الفني ، أو المنهج التأثري الانطباعي ، أو من قبل نقاد يتسلحون بأدوات الشكلانية الروسية ، أو بتقنيات النقد الجديد ، كما لدى ألان روب غرييه ، وجان ريكاردو ، وميشيل بوتور ، أو الانطلاق من آليات البنيوية السردية كما عند رولان بارت ، وفليب هامون ، وجوليا كريستيفا ، أو كلود بريموند أو جيرار جنيت ، فيشرع هؤلاء النقاد العرب المعاصرون ـ كما يرى الناقد جميل حمداوي ـ في الحديث عن القصة ، من خلال التركيز على الأحداث والشخصيات ، والفضاء المكاني والزماني ، وبعد ذلك ، ينتقلون إلى دراسة الخطاب بالتركيز على الراوي ، والمنظور السردي ، ودراسة الوصف والصيغة التعبيرية والتزمين السردي ، كما هو الشأن مع الناقد التونسي عبد الدائم السلامي ، الذي قارب قصص المبدعين المغربيين: عبد الله المتقي ، ومصطفى لغتيري ، على ضوء المقاربة السردية في كتابه القيم "شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا".

وهناك ، في المقابل ، دراسات نقدية حاولت مقاربة القصة القصيرة جداً بأدوات هذا الجنس الأدبي الجديد ، وبمفاهيمه النظرية والتطبيقية ، كما هو حال كتاب: "القصة القصيرة جداً" لأحمد جاسم الحسين ، وكتاب: "القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق" ليوسف حطيني ، وكتاب: "الماكروتخييل في القصة القصيرة جداً بالمغرب" لعبد العاطي الزياني ، وكتابا: "القصة القصيرة جدا بالمغرب" ، و"خصائص القصة القصيرة جداً عند الكاتب السعودي حسن علي بطران" لجميل حمداوي.

ويطرح الناقد الحمداوي رؤية نقدية جديدة لمقاربة القصة القصيرة جداً ، وقد سماها :"المقاربة الميكروسردية": لكونها تتعامل مع المكونات الداخلية للقصة القصيرة جداً وشروطها الخارجية ، مع الانفتاح على مكونات الأجناس الأدبية الأخرى ، وهي من الرؤى النقدية الرائدة والجديدة في حقل نقد القصة القصيرة جداً.

رواد القصة القصيرة جداً

من أهم رواد القصة القصيرة جداً: محمود شقير ، وفاروق مواسي من فلسطين ، وفخري قعوار من الأردن ، وزكريا تامر ، ومحمد الحاج صالح ، وعزت السيد أحمد ، وعدنان محمد ، ونور الدين الهاشمي ، وجمانة طه ، وانتصار بعلة ، ومحمد منصور ، وإبراهيم خريط ، وفوزية جمعة المرعي من سوريا. ومن المغرب حسن برطال وسعيد منتسب ، وعبد الله المتقي ، وفاطمة بوزيان. ومن تونس إبراهيم درغوثي. ومن السعودية جبير المليحان وفهد المصبح ، ومن الأدباء الشباب: طاهر الزارعي ، علي المجنوني ، وشيمة الشمري ، وخالد المرضي الغامدي ، وحسن الشجرة ، ومريم الحسن ، وناصر الجاسم وغيرهم.

يرى القاص محمود شقير أنّ القصة القصيرة جداً ما زالت تتعرض إلى نوع من إنكار بعض النقاد لها ، حيث يعتبـرونها غريبة عن جنس القصة القصيرة وبعضهم يعتبـرها مجرد خواطر وجدانية ، وبعضهم الآخر يلحقها بقصيدة النثر ، وثمة من يعتبـرها كتابة مجانية لا تفضي إلى شيء. والحال أن القصة القصيرة جداً ، عبـر نماذجها السيئة ، تشجع على توجيه الاتهامات لها ، في حين أن الكثير من الكتابات التي توصف بأنها قصص قصيرة جداً تسقط في هوة الاتهامات التي يوجهها بعض النقاد. حيث تجد تسطيحاً وتجد الغموض ، وانعدام شروط كتابة القصة القصيرة جداً ، وأحياناً ، تجد أنك تقرأ مقالة مكثفة جداً لا قصة قصيرة جداً. أعتقد أن هنالك نماذج قليلة في الأدب العربي الحديث ، التي يمكن أن نطلق عليها إسم قصة قصيرة جداً: ففي القصة القصيرة جداً لا بد من توفر الحدث القصصي ـ حتى وإن كان ومضة سريعة ـ لأنه ، من دون حدث ، لا يمكن أن تجد ما ترويه ، وبذلك تفتقد ـ منذ اللحظة الأولى ـ أهم شرط من شروط القصة القصيرة جداً. كذلك ينبغي أن يتوفر عنصر التكثيف في اللغة ، والاقتصاد الشديد فيها ، وإلا لماذا نكتب قصة قصيرة جداً ما دمنا نرغب في الاستطراد؟ ولا بد من قدر ما من الشاعرية التي تحقق ارتفاعاً ملموساً بالعنصر اللغوي أثناء القص. ولابد من توفر عنصر المفارقة والإدهاش والنهاية المحكمة التي ينبغي لها أن تفاجئ القارئ وقد تصدمه. ويمكن للقصة القصيرة جداً أن تعكس هموم الإنسان العربي المعاصر ، وأن تجسد أهم وأعمق اللحظات الإنسانية في حياته ، ولكن علينا ألا نتوقع منها (بسبب القصر والكثافة) أن تقدم شرحاً مستفيضاً لمشكلات الواقع العربي.

ويبدو أن لجوء كتاب القصة إلى هذا الفن ليست لأنها أقل طولاً من القصة القصيرة الأم ، بل لقيمتها الفنية ، أولاً ، ولمهارة كاتبها ، ثانياً ، ذلك أن القاص لا بد أن يتعامل ، بمهارة ، وبطريقة البناء واختزال الحدث والاشتغال على مساحة أقل ، لا تحتمل المناورة ، من المفردات التي تؤدي إلى المعاني الكبيرة التي تختصر السرد ، والقدرة على صناعة القصة بنجاح.

وربما تكمن صعوبة هذا الفن في أن كاتبه يجب أن يعي حقيقة عناصره ومقوماته ، ويدقق ما يكتبه كما يقول باشلار: "المؤلف يجب أن يكون قارئاً متيقظاً إلى أقصى حد." ولا بدّ من ملاحظة أن النقد القصصي العربي يمر بخمول نسبي قد يكون متأتياً من ظاهرة تأخر النقد عن اللحاق بالتجارب الإبداعة المتسارعة: كون النقد ، بطبيعته الفنية ، يميل إلى التأمل والتأني في إطلاق الأحكام على الإبداع.

في الختام يمكن القول إن القصة القصيرة جداً كائن زئبقي يروغ بين يدي المبدع في صراع مرير حتى يتمكن منه ، غير أنها خطت في الوطن العربي خطوات مشجعة ، وستشهد ـ كغيرها من الأنماط الأدبية ـ أجيالاً عديدة في المستقبل ، ولا بد أنها ستنتقل من مرحلة البدايات إلى مرحلة النضوج الفعلية ، وتصل إلى مرحلة اكتشاف الذات والهوية.

* أستاذ أردني في جامعة حائل ، السعودية


Add a Comment