المظلة

إبداع ونقد

التكثيف في القصة القصيرة جدا




جاسم خلف الياس


التكثيف
مصطلح منقول من ميدان (علم النفس)([1]) إلى ميدان(علم الأدب)
وظيفته((إذابة مختلف العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة
وجعلها في كل واحد أو بؤرة واحدة تلمع كالبرق الخاطف))([2]) ، وهو يحدد
بنية القصة القصيرة جدا ومتانتها لا بمعنى الاقتصاد اللغوي فحسب، وإنما في
فاعليته المؤثرة في اختزال الموضوع وطريقة تناوله، وإيجاز الحدث والقبض على
وحدته, إذ يرفض الشرح والسببية ,فيغدو كالطين الذي يمسك مداميك البناء،
مثلما هو عنصر في تشكيل كل مدماك, ويصير حذف أي جملة منه مشكلة، وعلى هذا
الأساس عدّه د.أحمد جاسم الحسين من حيث أهميته ثاني العناصر التي تحقق
للقصة القصيرة جدا وجودها النصي فيما لو أحسن استخدامه بشكل يثير
ويشوق([3]) كما في قصة (عراق)([4]) لوفاء خرما:

]دخلا دارتهما في بغداد.

صاح الزوج: سرقوا كيس الرز!

لطمت الزوجة خدها صارخة:بل سرقوا مصاغي..خبّأت مصاغي في كيس الرز!

رن جرس الدارة, وقفت بالباب امرأة تمد يدها بصرة وهي تهمس في خجل: خذوا ذهبكم, أطفالي جياع إلى الرز فقط[

فالتكثيف
في هذه القصة يعد عنصرا حيويا بما تنطوي عليه من مجازات وثنائيات تستحضر
عند تحليلها أو قراءتها من فضاءات المحذوف أو الغائب أو المحتمل أكثر مما
هو حاضر في لغتها ودلالاتها المباشرة .

أما إذا لم يحسن القاص
استخدامه, فإنه يخرج القصة من دائرة الانتماء القصصي إلى دائرة الانتماء
الشعري بانحرافها إلى التركيز على اللغة وضغط الحدث والموضوع بشكل غير
مقبول كما في قصة (حفل)([5]) لسميحة خريس:

]في الليل أراقص الذكريات[.

فالإنهاك
الشديد لبنية القصة حولها إلى سطر شعري يمكن أن يكون ضمن أي قصيدة نثر أو
قصيدة توقيعة لإيحائيته العالية, إذ حين يكتمل الوجود النصي للجملة تبدأ
الاستعارة بإعانة القارئ على مغادرة الوجود الحقيقي بوساطة مفاتيح إشارية
تقصد عالما متخيلا والدخول في إختبار أدبي جمالي لأن المفتاح الفعلي حسب
سوزان لوهافر هو أن (الذكريات لا ترقص), إلا إن الجملة تحمل بعض وظائفها
القصصية أيضا, كونها تحتمل الوجود في جملة الاستهلال التي من شأنها أن تولد
أفعال سردية أخرى. ومثلها قصة (قلق)([6]) للكاتبة نفسها:

]خرجت
روحي تتمشى طفلا في الطرقات، تأخرت في مشوارها وها أنا ذا أرقب المارة[
فالمغالاة الشديدة في القصر يقود القصة نحو الاتجاه السلبي,لأن المسافة بين
القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة جدا ضيقة جدا وتمتلك من المزالق ما
يكفي لكي توهم المؤلف فينجر إلى هذه بدل تلك وبالعكس, فليس كل كتابة تعتمد
الانسنة والإدهاش والمفارقة وتجيء مطبوعة في عقد نصي جمعي (قصص قصيرة جدا)
تنتمي فعلا إلى هذا النوع فمثل هذه القصص لا تحمل إلا انتسابا مقحما وهي في
حقيقة الأمر أقرب إلى قصيدة التوقيعة بكثير ((فالتزام الكثافة والمفارقة
والومضة والقفلة المدهشة من اشتراطات قصيدة التوقيعة أيضا([7])(( ولأن
القصة القصيرة جدا ((بنية سردية لا بد من أن تحتفظ بقدر معين من جماليات
السرد والحكي. وهذا لا يعني أن تحتفظ بعناصر تقليدية كنمو الشخصية والبناء
الهرمي للحدث واحتفاء خاص بالزمان والمكان وما إلى ذلك فهذا ما لا تتطلبه
هذه القصة))([8]) وإذا كانت مثل هذه الكتابات أو غيرها قد نشط أصحابها من
باب التجريب أو مقدرتهم الكتابة في مختلف الأنواع الأدبية فالتجريب هو
الوعي بالكتابة قبل كل شيء.

إن العلاقة بين القصة والقصيدة -حسب
طراد الكبيسي - تنطلق من تداخل عناصر مشتركة عديدة بين القصيدة والقصة
مثل:الغنائية، الشاعرية، الكثافة، الأسلوبية الأدبية، والانزياحات اللغوية،
والدفق العاطفي، والدهشة أو المفارقة، أو ما يدعى بـ( أفق الانتظار)،
وبتعبير آخر لـ (بيفرلي كروس) القصة الشاعرية هي التي تستخدم صيغ الشعر مثل
الجناس والصورة المجازية والإيقاع النثري والتقابل والتوازي .. الخ،([9])
ولعل هذا ما دعا بعضهم لأن يرى أن كثيرا من المقاطع النثرية في القصص
القصيرة جدا، يمكن عدها بمثابة قصائد نثر، وكثير من قصائد النثر يمكن وصفها
بقصص قصيرة جدا، وباختصار نقول: إذا كانت القصة القصيرة جدا تميل إلى
الشاعرية فان القصيدة القصيرة جدا، تنزع إلى السردية، ويمكن - وعلى سبيل
المثال - أن نسأل: في إي نوع نضع هذه القصة القصيرة جدا (بيتزا)([10])
للقاصة المغربية (فاطمة بو زيان): في نوع القصة القصيرة جدا، أم قصيدة نثر؟

]قال لها:

- أنت البيتزا التي اشتهيها ليل نهار! هو في ايطاليا ..

هي في قرية صغيرة ..

والبيتزا سؤال .. حملته إلى المدينة

حطه النادل أمامها فطيرة مزينة!

تأملتها مليا ..

أعملت السكين فيها ..

ثم تناولت مثلثا منها ..

ثم مضغته على مهل ..

ثم ابتلعته ومصت شفاهها في تلذذ ..

ثم همست:

- ما ألذني !! [.

في هذا النص كل عناصر القصة والقصيدة متداخلة متفاعلة فيه: الكثافة، الشخصية القصصية، البنية الإيقاعية، الأدبية السردية، والمفارقة.

وعلى العكس حين يتخلى القاص عن عنصر التكثيف فإنه سيقود قصته إلى الترهل
وربما التفاصيل التي لا حاجة لوجودها في القصة كما في قصة (بيتان)([11]) :

]اختلفا فيما بينهما, ولم يطيقا العيش معا. ثم أعلنا الطلاق وبكى الأطفال..

أراد كل منهما أن يعمر بيتا مريحا للأولاد.

اشترت أرضا قريبة من القلب, واشترى مساحة قريبة من العقل المتسلط.

أشادت غرفة صغيرة من الصدق والعفوية, وبنى غرفة شاسعة من الكذب والادعاء.

بنت غرفة من الحرية,وبنى غرفة من التربية الصارمة.

ملأت مطبخها بفواكه الحنان والتضحية, وملأ مطبخه بفواكه الحب المطعمة بفاليوم الخوف والأنانية.

سيجت
بيتها المنمنم بورود الجرأة والتفاؤل والفرح, وسيج بيته بسياج الكآبة
والتسلط..حينها طار الأولاد صوب البيت الصغير على جناحي فرح إنساني لا
تشوبه شائبة[.

إن التكرار على مستوى الأحداث, وعلى مستوى التضاد,
وعلى مستوى اللغة نحوا وصرفا وتركيبا جعلها قصة مترهلة يمكن حذف كثير منها
دون أن تتأثر بنيتها الأساسية بل إن الحذف يمكن أن يدفع القصة نحو تحقيق
فكرتها بنجاح([12]) خاصة وأن الترميز فيها ينحدر إلى أوطأ درجاته إذا جاز
التعبير.من هنا جاء تأكيد د. يوسف حطيني ((أن التكثيف هو أهم عناصر القصة
القصيرة جدا ويشترط فيه ألا يكون مخلا بالرؤى والشخصيات وهو الذي يحدد
مهارة القاص))([13]) إذ أن التنضيد السردي يقوم فيها على التحفيز الجمالي
نفورا من الاستطراد والوصف والشرح والتفاصيل اليومية في عناية فائقة بقليل
من الحوافز وإدخالها في متواليات سردية لا تنقل الواقع بل تعيد بناءه في
فعل تأملي أو أفعال دالة يجعل القص نصا غائبا يحال إليه كما في
قصة(سباق)([14]) للقاص محمد المخزنجي:

]كان يجلس إلى جوار السائق،
ولم نكن نرى إلا رأسه وكتفيه، ونحن مزدحمون في المقعد الخلفي، ولعلنا -لهذا
البدء- تضايقنا منه، ولأنه أيضا كان يحرض السائق على السرعة، والمروق من
بين السيارات الأخرى، بل انه شرع في تحريض سائقي السيارات الأخرى على
الإسراع بالإشارة والتلويح، وحتى بإخراج رأسه وكتفيه من النافذة والزعق
بهم.

لا ندري متى -فجأة- أحببناه، ورغم كل شيء، إذ خفف عنا سأم
السفر، عندما نقلنا بخفة حركته وطرافة تعليقاته إلى حالة الموجودين في سباق
على الطريق، وأصبحنا مثله معجبين بالإنسان: العفريت، المطاط، الطيار،
الخفيف، الحلو. وهذه الصفات للإنسان كلها كانت من صنع الرجل وهو يتكلم ولا
يكف عن الحركة.

عندما وصلنا كان الرجل أول من نطق، الحمد لله على
السلامة، وكان أول من نزل، فتح الباب، وانحنى يشد من دواسة العربية شيئا
طويلا، عكازا رأيناه، تأبطه ومضى يتقافز، ولم نر له إلا قدما واحدة، ولم
يكن هناك وقت لنتبادل نحن الركاب الآخرين النظرات، إذ تفرقنا على عجل[

فالعنوان بوصفه جزءا أساسيا من القصة, والمفارقة الساخرة من القدر, والنص
الغائب الذي لم يصرح به(السباق مرة ثانية), كل هذه جعلت التكثيف يخلّف
((حزنا ثقيلا, قد يصرح به الراوي فيعلو الغناء, وتتحول اللحظة إلى لحظة
رومانتيكية مبتذلة, ويتحول النص إلى مناجاة صغيرة مباشرة مضغوطة بهذا
الحزن, وقد يخفي الراوي حزنه وغناءه وراء ستار القص والدراما وهذا ما يحدث
عادة في القصة القصيرة جدا الجيدة))([15]) , والتي يرجعها د. خيري دومة إلى
ثلاثة عناصر رئيسة -الموضوع, الاكتشاف اللحظي المفاجئ, والتكثيف-. ويؤكد
التكثيف بوصفه عنصرا وظيفته الضغط الإضافي الذي يقوم به القاص لمادته
القصصية المضغوطة من البداية, وفي لحظة واحدة, وأن الصيغتين الدرامية
والغنائية قائمتان في جوهرهما على التكثيف([16]) .

أما د. محمد مينو
فقد عدّ التكثيف أحد العناصر التي يستند إليها هذا النوع القصصي, ويلجأ
إليه ليضمن غنائية صريحة, وقصرا شديدا, فلا مجال للترادف, ولا مكان للهذر
والوصف فإذا ما احتاجت القصة إلى التعبير عن تطور الحدث وتقدمه, رصدته
كليمات قليلة ذات إيقاع وإيحاء, وكأن القصة تبني الحدث كلمة كلمة بناء
محكما لا فضل فيه ولا زيادة لأن انزياحها عن النظام المألوف للقصة القصيرة
إلى نظام آخر يقوم على الاقتصاد في مختلف العناصر بشكل عام وعلى التكثيف
بشكل خاص([17]) , إلا أن بعضهم وخاصة كتاب القصة القصيرة حصرا يجرهم الحنين
إليها فتقودهم الجزئيات إلى الإطالة نوعا ما، كما في قصص (نور
الكينونة), و(التقصي) و(الأوديبي)([18]) , لقصي الخفاجي ليس بسبب امتداد كل
قصة على أربع صفحات, وإنما للتفصيلات التي قادت القصة إلى نوعها الآخر وهو
القصة القصيرة .

وبسبب التكثيف الشديد تتحول عناصر القصة القصيرة
جدا أحيانا إلى مجرد أطياف أي ((تتحول الشخصية البشرية إلى أنماط وتتخلى عن
وجودها بالمعنى المألوف وتحل محل بنيتها عالم يتمظهر في بوح غنائي، يستخلص
الفراغات من الخطوط، والظلال من الأضواء، مما يبني شاعرية جديدة من صميم
النثر القصصي، تتخطى ضبابية يفتعلها القاص عن عمق ليخفي رؤيته ولا يسلمها
إلى المتلقي إلا بمنظورات مغايرة تبتعد عن التقليدية في العمل
القصصي))([19]) وبذلك تنعدم الملامح الفردية وتقترب لغة القص من لغة الشعر
بسبب ميلها الشديد إلى التكثيف الذي يعد احد الجوانب الغنائية في القصة
القصيرة جدا والذي يقوم على المبالغة في القصر وما يستدعي هذا القصر من
تركيز وكشف في لمحة عميقة عابرة، فالدقة والرهافة، والحساسية الشديدة في
صياغة النص، وتلك القدرة على إخفاء الدال هما مصدر هذه الغنائية([20])
,كما في قصة (في وعاء الليل) ([21])الذي قدمها القاص بعتبة قرائية (من
ترانيم الحصار) :

]أفاقت على وخزة القلب فالفت صغيرها يئن بخفوت...
عظام وجهه البارزة تفضح سر الجوع والمرض المتفشيين في أوصاله.. الشفتان
يابستان/ متقشرتان.. العينان في المحجرين العميقين تحدقان بذهول.. سنواته
الثلاث لا تسعفانه بإعلان الشكوى. قلبها المحطم يبكي كمدا: ماذا افعل يا
نَفَسِي المقبوض.. يا وتر الروح المقطوع.. كل شيء بعته كيما تبقى لي.. بقي
أن أبيع نفسي!!.. يبتسم الوجه الذابل ببراءة شاحبة/ غائمة تتكرس في زاويتي
عينيه حبتان من دمع قبضتا قلبها، وأججتا نارا لاهبة سرت حثيثا خلل عروقها..
لا قدرة له على الكلام.. هي تدرك ذلك.. نهضت/ تبحث في زوايا قناني الدواء
الفارغة المركونة عند رأسه: لا شيء.. لا شيء!.. اندفعت تاركة الغرفة.. في
ظلمة الحوش بكت بكاء مرا/ طويلا ومكتوما خشية أن يسمعها.. رفعت رأسها
باتجاه السماء تتشفع/ ترجو/ تستنجد/ تشهق/ تسترحم/ تلوذ/ تتلمس/ تتضرع/
تجثو على ركبتيها/ ((تمعش)) شعر رأسها/ تخدش خديها، ثم تنهض مكدودة، لائبة
تقطع مستطيل الحوش المعتم... لا تعرف ماذا تفعل.. تخشى الدخول عليه... لا
تريد أن تضيف لألمه ألما... تعود ترفع رأسها:- يا إلهي أنت القو...
فتتجلمد... تتصالب عيناها بنيزك يمرق محترقا ثم يذوب متواريا/ خيطا رماديا
أحسته يلتف حول عنقها مضيّقا عليها أنفاسها... تنهار: ولدي.. ولـ..دي ولـ..

في
الغرفة/ وسط الصمت المحيق/ بجانب قناني الدواء الفارغة رسم الوجه الوديع
آخر ابتسامة، وداعا للمرأة التي لا يدري أنه سيجدها قد سبقته إلى هناك[

إنها
أغنية التوحد مع الصمت، والجوع، والموت التي يعلو إيقاعها أمام هذا المشهد
البصري- التشكيلي الذي قدم فيه القاص نمطا من الضحايا التي خلفتها آلة
الطغيان الأمريكية، طفلا موبوءا بالفقر والمرض جراء الظلم الذي فرض على
أطفال وشيوخ العراق. في ظل هذه الترانيم يفقد كل من الطفل والأم ملامحه
الفردية، يتنمطان ويمنحان هذه الملامح إلى كل الأطفال والأمهات العراقيات
في بوح وجداني غاص فيه الراوي إلى أعماق النفس الإنسانية لينتشل صرخاتها
واحتجاجاتها في تسارع سردي بوساطة الجمل الفعلية التي طغت على هذا المشهد
(نهضت/ تبحث في زوايا قناني الفارغة، تتشفع/ ترجو/ تستنجد/ تشهق/ تسترحم/
تلوذ/ تتلمس/ تتضرع/ تجثو على ركبتيها/ (تمعش) شعر رأسها/ تخدش خديها/ لا
تعرف ماذا تفعل/ تخشى/ تضيف/ تعود/ ترفع/ تتجلمد/ تتصالب عيناها/ تنهار)
لتسبق الطفل حيث الموت والخلاص من العذاب في تقابل دلالي توحد مع هذا
التسريع السردي والتكثيف الحدثي بلغة يعلوها النشيج والألم.

لا شك
في أن الذات المبدعة تحرص دوما وبوضوح أن تعلي من ذاتيتها تجاه العالم من
حولها وينهض هذا الحرص بوساطة إثارة الأسئلة ويعمق حالتي التشكك والسخرية
فتغدو الكتابة السردية أقرب ما تكون إلى البنية الشعرية, إلى إيقاعاتها
وتوتراتها وتحديدا إيقاعات قصيدة النثر فتشبع القص بالذات.ذات الأنا, أو
ذات الهو, أو الهي, أو ذات الـ(نحن, هم, هن, أنتم,أنتن), بصفتها الفردية,
أو الجماعية فتثير أعماقها وما يتردد في داخلها تجاه العالم من حولها أو في
مواجهة ذاتها المتناقضة أو الازدواجية على الأقل كما في قصة
(القرين)([22]) لجمال نوري:

]إلى متى سأتحمل وزر حماقاته
ومشاكساته البائسة، وأنا كما اعرف نفسي رجل مسالم ارتكن الهدوء وأساور نفسي
واغضب عليها، لم يحدث أن تعرض لي احد ليصب جام غضبه أو أن يعاتبني بطريقة
جارحة على تصرف شائن.. كل ذلك بدأ يحدث عندما ظهر وعلى حين غرة رجل يشبهني
في ملامحه وملابسه وصورته وطريقة تصفيف شعره وحقيبته.. أكان يقصد إيذائي
عندما تعرض إلى مدير دائرته بلهجة ساقطة مما اضطر الأخير إلى طرده من عمله؟
أو عندما بدأ يجلس مع طابور الشحاذين، فقال بعضهم إنهم شاهدوه يشاكس بعض
المراهقات اللائي كن يدرجن في شارع مزدحم وأكدوا جازمين أنهم رأوه قرب بيتي
يبكي بصوت عال، واستغرب الكثير طريقتي الجديدة التي لم يألفوها من قبل حتى
زوجتي أعلنت أنها سمعتني اصرخ بصوت جهير وأنني كدت احرق البيت بأسره لولا
استنجادها ببعض الجيران.. وأنا كما اعرف نفسي تماما وكما كان يعرفني الجميع
وديع ومسالم مثل نسمة هواء عابرة[، لقد جسد القاص هذه الثنائية الأنوية
-إن جاز التعبير- (أنا/ أنا ) و(أنا /هو) في بوح وجداني شفيف ومكثف حتى بات
من الصعب حذف أي جملة من قصته وكأنه قد اشتغلها بأزميل نحات يجيد صنعة
تمثال قصصي، فاللغة بقدر ما حافظت على قصصيتها استطاعت أن تستخدم الرمز
والصورة والإيقاع بأنماطه المتنوعة، النفسي، والتكراري... وجاء الحدث
والموضوع والفكرة في كثافة تنغم مع مكونات أخرى.

وإذا كنا نتفق أن
صياغة أي نص أدبي يعتمد على المراوغة في العلاقات الترابطية بين المهيمنات
اللغوية (كيف نقول) وبين المهيمنات الثيمية (ماذا نقول), فان القصة القصيرة
جدا معنية في تناول حدث محدد في لحظة توتر بأقل عدد من الكلمات وهي بذلك
لابد أن تكون نصا مكثفا سريع الإيقاع، فعلي الجملة، مكثف الهوية، ينأى
بنفسه عن أي حشو أو تطويل وليست مولعة بالأحداث المتعددة ومن هنا يحدث
الفارق بينها وبين القصة القصيرة الاعتيادية فـ((حجم الحدث وليس نوع الحدث
واختيار الطريقة وليس اختيار الهدف هما اللذان يصنعان الفارق))([23])
وبذلك تنحت هذه التقنية مع تقانات أخرى ((مضمونا يخلق شكله))([24]) ، فكل
التطورات التي تحدث في الأشكال هي نتيجة حتمية لاختلافات في المضامين
والاثنان معا يشكلان اختلافات في النوع في الوقت نفسه، وعلى هذا الأساس
انحرفت القصة القصيرة جدا عن المسار القصصي المتعارف عليه وساعدتها في ذلك
((طبيعة العصر ومتطلباته المتلاحقة فأفرزت هذا النوع من القص وهو ذو طابع
شديد التكثيف هدفه أن يقوم بدور القصة القصيرة ويعطي ثمارها ولكن بزمن اقصر
وحجم اصغر إذن التركيز الشديد وأقصى الاقتصاد في الألفاظ أو العبارات هو
من أولى سمات هذا النوع من القصة))([25]) ، ويذهب صبري مسلم إلى تحديد
خطوات يستخدمها القاص للوصول إلى التكثيف الشديد في القصة القصيرة جدا
وهي([26]):

•1. الجمل القصيرة المركزة ذات الطابع الموحي والمختصر في أسلوب سردها والقدرة على الإيحاء والتعبير والإشعاع بأكثر من دلالة.

•2. الاقتصار على اقل عدد ممكن من الشخصيات.

•3. تركيز الحوار أو الاستغناء عنه إذا أمكن ذلك.

•4. شحن الجملة القصصية بالصورة الفنية التي تؤدي دور وصف وتشي بالمعنى وتنم عنه.

•5. اختزال الحدث القصصي وينطبق على التركيز المكاني والسقف الزماني للقصة القصيرة جدا.

•6. العناية الخاصة بالاستهلال في جذب القاريء.

•7. الاهتمام بنهاية القصة التي تعطي انطباعا مؤكدا نجاح القصة أو إخفاقها.

ويقترب
محمد رمصيص من هذه التحديدات النظرية في ((التكثيف وشدة الامتلاء الذي جعل
ملفوظها المرمز يثير عدة تأويلات. وهذا يتوافق وإحدى استراتيجيات الكتابة
العربية القديمة "البلاغة في الإيجاز". إن حجمها المكثف حتم تجنب الاستطراد
وإسقاط التفاصيل وبالتالي السرعة في الإيصال والتواصل الأمر الذي يتوافق
وطبيعة العصر السريعة. فالحكي المضغوط والمكثف لد رجة تقطيره عبر مصفاة
دقيقة جعل منها عنصرا جماليا وليس هدفا في حد ذاته ،أقصد القوة الاقناعية
للتعبير المركز الملتقط للحظة شعورية أو حدث مثير أو شخصية فارقة وهذه إحدى
التمفصلات التي يمكنها اختزال حركية العالم في جمل محدودة))([27]) ،
وتشاطره د.سعاد مسكين بـ((أن القصة القصيرة جدا ليست بموجة عابرة بل هي
صيغة جديدة من الخطاب تلتقط اللحظة، والحدث الومضة بكثافة لغوية، وبلاغة
رمزية، تعبران عن الإنسان العادي والهامشي عبر كتابة صادقة وبليغة أخذا
بعين الاعتبار معياري الإيجاز والتكثيف))([28]) . وهما يجتهدان في تحويل
العالم الواسع إلى وحدات كتابية صغيرة يوسعها البناء الداخلي، فالفاصلة
معنى والحرف تصريح والفراغ بين السطور قول وإيحاء في آن. ويتعايش فيها -أي
الوحدات الكتابية- الشعر والنثر في جدل يمد القصة بكثافة عالية تملي على
القارئ قراءة مزدوجة([29]) كما في قصة (دم)([30]) لمحمود شقير:

]المطر كأنه دموع الأمهات.

يعود الفتى الملثم إلى البيت محمولا على أكتاف الأصدقاء يمتزج دمه بخيوط المطر النازل مدرارا من السماء تتبلل كوفيته وقميصه والحذاء.

القاتل
يجلس الآن في صالة المطعم قرب النافذة، يجلس منتظرا المرأة التي تعرف
عليها قبل أيام، يشرب النبيذ ويحاول إقناع نفسه بأنه أدى واجبا عسكريا لا
يستطيع إلا أن يؤديه. وفي الخارج يهمي المطر. والقاتل يبدو مستاء لان
المرأة تأخرت عن القدوم إلى الموعد ربما بسبب المطر ثلاث ساعات[ .

ومثلما
لم تكن هذه القصة -حسب فيصل دراج - بالـ (ضيقة) في اختيار القاص لحدثها
وشخصيتها وغنائيتها المكثفة ,فما هي بالضيقة لاتساعها تجربة إنسانية تصور
القدر الفلسطيني المخلوق من التراجيديا والبطولة أيضا. فمجموعته التي تحوي
على أربع وثمانين قصة قصيرة جدا تتوحد في ((قصة شاسعة تحكي اغتراب الإنسان
في ثنائيات متلاحقة اللقاء الفراق، الحضور الغياب، الامتلاء الحرمان،
التواصل الغربة، الظلم العدالة، الفرح القليل والفرح المأمول المؤجل
الوصول))([31]) في تقانات سردية متوشحة بالخيال الجامح والمغايرة فتتحول
عملية الإخبار من تقريريتها ومباشرتها إلى عملية إمتاع دون أن تفقد القصة
دراميتها.

وإذا كان التكثيف في احد تحديداته ((الاختزال المبني على
رؤية شاملة للفضاء الخارجي وخلق حالة من التوتر قادرة على حمل الخلق الناتج
عن سعي الإنسان إلى التخلص من هيمنة ذلك الفضاء))([32]) فان هذا الاختزال
هو الذي يأخذ القصة القصيرة جدا باتجاه (الصفاء الخالص) الذي تحدث عنه
اوكونور بمعنى تصفيتها من الحدوتة والقص والاعتماد على التكثيف الشعري
والدرامي وحده أي اختزال العالم بلمحة عميقة عابرة([33]) إذن التكثيف عنصر
أسلوبي يرتبط بالنص كليا فيتسع المفهوم على الملفوظ باشتراطات تحافظ على
قصصية القصة القصيرة جدا وتبعدها عن السطر الشعري بحجة التجريب أو اختراق
القوانين التي ما وجدت إلا لكي تخرق ولكن((يجب أن يكون- هذا الخرق - لمصلحة
الجمال و الإدهاش وليس لصالح العبث وألعاب الصبية التي لا نظام لها فالأدب
أيا كان نظام ولكن ليس له قانون ضابط صارم يمنع اختراقه))([34]) ، كما
يجب الحفاظ عليها في الوقت ذاته من الانفلات باتجاه الحكمة أو النادرة أو
النكتة وبذلك تفقد انتماءها النوعي,كما في قصة رقم (53)([35]) لنهلة
الجمزاوي ونرى كم تقترب من الحكمة إن لم نقل نصا حكميا ]أخذ ينظر إلى النور
بعينيه المقفلتين وعندما لم يعثر على الضوء لفظه الظلام[ ، ربما لو قالت
(من لم يعثر على الضوء يلفظه الظلام) لكانت حكمة مطابقة تماما، نحن لا نبخس
أدبية مثل هذه الكتابات ولكن في المقابل ننفي عنها صفة القصصية. غير أن
هذا النموذج التطبيقي لا يعني خلو مجموعة (العربة) لنهلة الجمزاوي من القصص
الجيدة التي يأخذ التكثيف مكانته الفاعلة في ضغط الفكرة والحدث ببناء لغوي
يختزن الرمز والمفارقة بشكل مثير ومدهش كما في قصة رقم (1)([36]) في سبيل
المثال لا الحصر:

]فجأة تسلقت ديدان الأرض على ظهر الجبل متحدية
خشونة وأشواك الصبار التي قاومت خطاها لتثنيها عن الصعود وعندما وصلت قمته
اختالت فرحا معتقدة أنها تستطيع أن تنخر ذاك الجسد الهائل حتى أنها ازدادت
إصرارا عندما اعتقدت أن الدم النازف من أظافرها كان مصدره الجبل[.

وإذا
كان الترميز في هذه القصة قد فسر نفسه بشكل جلي ومطلق فهو في قصص أخرى غير
ذلك وإنما يصل إلينا عبر إشارات تقوم القاصة ببثها داخل بنية النص التي
تتكون لديها من سلسلة من الدالات لا يمكن الإمساك بها من أول وهلة بل
تتركنا نتتبع الإشارات لنستنجد من خلالها المدلولات فسقوط الرمز مثلا لا
يمثل السقوط الآلي وإنما انهيار القيم الإنسانية التي تشكل المنظومة العامة
التي تتحرك بموجبها قوانين الحياة([37]) إذ يتعالق مضمارها الفني
بكثافتها الدلالية في ((لقطة فنية مكثفة تعبر المسافة من الخبر الاعتيادي
إلى دائرة الإبداع فحدثها وشخصيتها يتوهجان فنيا وإنسانيا بحساسية بالغة
ويرتبطان بالواقعية حينا وبالتجريد حينا آخر فهي لا تكتب على وفق لا تنتمي
إلى ما هو سائد أو متصور خطأ لكونها اختزالا للقصة القصيرة في (عملية
قيصرية) غير ناجحة لأنها تعكس حالة تفجير ذاتية في أعماق القاص فيحتاج إلى
تجسيدها إلى طاقة فنية مضافة تتجاوز طاقته الاعتيادية وهو يكتب القصة
القصيرة، فعبور المسافة بين الخبر المحكي نحو الإبداع الفني يحتاج تلك
الطاقة المضافة))([38]).

ومن الاستخدامات التي تساعد القاص في تكثيف
الحدث والموضوع هي الرمز والتناص, والإنزياح( اللغوي, والفكري,
والموضوعاتي), والاستعارة, والمفارقة بأنماطها المتعددة, وتسريع الحدث
وجعله متوترا ومركزا لمنح القارئ خاصية التشويق والإدهاش فتستمد القصة
القصيرة جدا خاصية قصرها- على هذا الأساس- من :

1- طابع الشذرة بما فيها من تأمل فلسفي.

2-طابع المفارقة المستند إلى تعدد الدلالات والاستعارية.

3-طبع الإندغام بالشاعرية والأسطرة.

بشرط أن تبقى محافظة على إشتراطاتها القصصية.








([1] ) ينظر: تفسير الأحلام, سيجموند فرويد, تر:مصطفى صفوان:292.

(2) أوهاج الحداثة، نعيم أليافي،: 203.

(3) ينظر:القصة القصيرة جدا مقاربة بكر:39.

(4) البرج، وفاء خرما: 77.

([5] ) قصص قصيرة جدا، سميحة خريس، مجلة عمان، ع52، 2002: 26

([6] ) م. ن:26.

([7] ) شعرية التوقيعة، د. خفناوي العلي، مجلة الموقف الأدبي، ع413، أيلول، 2005: 13

([8]
) مقاربة في الائتلاف والاختلاف بين القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة
جدا، طراد الكبيسي، جريدة الرأي، الاثنين 4 كانون الأول، 2006.

([9]
) . مقاربة في الائتلاف والاختلاف بين القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة
جدا، طراد الكبيسي، جريدة الرأي، الاثنين 4 كانون الأول، 2006: أنترنيت.

([10] ) قصص قصيرة جدا, فاطمة بو زيان: أنترنيت.



([11] ) تساؤل، محاسن الجندي: 19.

([12] ) القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق: 35.

([13] ) م. ن: 33.

([14] ) الآتي: 6.

([15] ) تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 257.

([16] ) ينظر:تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 254.

([17] ) ينظر:فن القصة القصيرة مقاربات أولى: 39.

([18] ) الاوديبي : 3، 51، 60.

([19] ) المتغير الجمالي في القصة القصيرة المعاصرة، حلمي بدير، مجلة إبداع، ع6، 1984 ، 111.

([20] ) ينظر: تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 249- 250؛ إشكالية القصة القصيرة، غالي شكري، مجلة إبداع، ع6, 1984: 16.

([21] ) حكايات الغرف المعلقة: 45

([22] ) أفق آخر: 5.

([23] ) الاعتراف بالقصة القصيرة: 23

([24] ) القصة القصيرة جدا, مقاربة بكر: 41.

([25] ) تقنية القصة القصيرة جدا (الديك الاعرج) لدريد يحيى الخواجة ,صبري مسلم، انترنيت

([26] ) م. ن

([27] ) القصة القصيرة جدا بالمغرب مواقف ورؤى، إستطلاع عبدالله المتقي, أنترنيت

([28] ) القصة القصيرة جدا بالمغرب مواقف ورؤى، إستطلاع عبدالله المتقي, أنترنيت.

([29] ) ينظر: مرور خاطف، المقدمة، فيصل دراج: 7.

([30] ) مرور خاطف: 19.

([31] ) م. ن, المقدمة بقلم: د. فيصل دراج: 8 .

([32] ) ما هي قصيدة النثر، فرزند عمر: انترنيت

([33] ) ينظر: تداخل الأنواع القصصية في القصة المصرية القصيرة: 252.

([34] ) النقد التطبيقي للقصة القصيرة في سوريا, عادل الفريحات: 16.

([35] ) العربة: 33.

([36] ) م. ن: 9.

([37] ) العربة، مقدمة المجموعة، عبد الستار ناصر: 8-9.

([38] ) حبة الخردل: 51.

)3( ظاهرة القصة القصيرة جدا, عبدالله أبو هيف, مجلة الآطام, ع21, 2005 :73 .
[/b]



Add a Comment